دعاء مأمون:صوت العرب – الاردن.
في «سيد الخشبة» مفارقة يصعب تجاوزها: العرض يدافع عن الممثل في مواجهة مسرح يهمشه، ثم يضع مصيره كله تقريبًا على قدرة ممثله على إنقاذه. نجح زيناتي قدسية في حمل الخشبة وحده، وأثبت أن المسرح لا يحتاج إلى بهرجة كي يكون حيًا، لكن هذا النجاح كشف في الوقت نفسه أن الأداء كان أكثر إحكامًا من بناء العرض.
العرض السوري، نص يوسف الحمدان ، وأداء وإخراج زيناتي قدسية، بدأ من مسرح فارغ تقريبًا. ضوء أخضر وكرسي خشبي، فيما بقيت أضواء الصالة مضاءة. لم يكن الفراغ نقصًا يحتاج إلى تغطية. كان الممثل هو العنصر الأول في المشهد.
نجح الفراغ بوصفه خيارًا؛ فلم أشعر أن الخشبة أوسع من قدسية، ولا أنه ابتلع حضوره. تحرك في المكان بخبرة واضحة، وعرف كيف يوزع وجوده من دون أدوات كثيرة أو حركة زائدة. كان الوقوف والسكون والنظر وتغيير النبرة كافيًا لصناعة فضاء لا يبدو فارغًا. قدسية لا يحتاج إلى ديكور يحميه.
لكن هذا الحضور القوي لم يمنع ظهور تفاوت العرض. حين كان الأداء في ذروته، بدا كل شيء ممسوكًا. وحين هدأ قليلًا، ظهرت الاستطالة وتكرار الأفكار، وبدأت الحكايات تتزاحم فوق الخشبة.
يقدم قدسية شخصية مرزوق، ممثلًا مسرحيًا كبيرًا في السن، فقيرًا ومهمشًا. الاسم نفسه يحمل سخرية مباشرة؛ رجل يدعى مرزوق ولا يجد ما يأكله. غير أن العرض لا يبقى طويلًا داخل الشخصية بوصفها فردًا له حياة محددة، بل يحولها سريعًا إلى صورة للفنان العربي الذي استُهلك ثم طُلب منه أن يرحل.
عرفت قضية مرزوق أكثر مما عرفت مرزوق نفسه. طغت دلالة الفنان المهمش أحيانًا على التفاصيل التي كان يمكن أن تمنح الشخصية خصوصيتها.
منذ دخوله، هدم قدسية الجدار الرابع وخاطب الصالة مباشرة. اقترب من الحكواتي ومسرح الفرجة، فكان يروي ويسخر ويشكو، ثم يترك الحكاية ليذهب إلى الشعر أو الحب أو الكتب قبل أن يعود إلى سؤال المسرح.
هذا الأسلوب يناسب قدسية. خبرته وحضوره وقدرته على الإمساك بالجملة جعلت المخاطبة المباشرة جزءًا طبيعيًا من أدائه، لا وسيلة لإحداث تفاعل مصطنع. لكنها منحت العرض حرية أكبر مما يحتملها أحيانًا. يستطيع الحكواتي أن يخرج من حكاية إلى أخرى، لكن المونودراما تحتاج إلى خيط مشدود، خصوصًا عندما لا تقوم على حبكة تقليدية.
غياب الحبكة ليس عيبًا في ذاته. العرض لا يريد أن يروي قصة تبدأ بأزمة وتنتهي بحل، بل يدور حول حالة من الإنهاك والرفض والهذيان. مرزوق لا يتقدم نحو نهاية بقدر ما يقاوم الوصول إليها. المشكلة أن هذا الدوران لم يصنع دائمًا تصاعدًا واضحًا. عادت بعض الأفكار بعد أن وصلت، وتغيرت صياغة بعض الجمل من دون أن يتغير أثرها.
كان التكرار يؤدي وظيفتين مختلفتين. في لحظات عبر عن رجل عالق في الجرح نفسه، وفي لحظات أخرى بدا زائدًا وكان يمكن حذفه من دون أن يخسر العرض شيئًا.
الصوت الذي يباغت مرزوق ويأمره بالخروج من المسرح كان من أنجح خيارات العمل. لا يظهر صاحب السلطة، ومع ذلك يملك قرار الطرد. يقف مرزوق أمامه بجسده وصوته وتاريخه كله، ثم يجد نفسه مطالبًا بإثبات حقه في ساعة واحدة.
في البداية صنع الصوت توترًا حقيقيًا. كان دخوله مفاجئًا، ووجوده بلا جسد وسع معناه؛ قد يكون إدارة أو مؤسسة أو زمنًا يريد التخلص ممن سبقوه. لكن تكرار مقاطعته بالطريقة نفسها جعل أثره أقل حدة مع تقدم العرض. بعد مدة أصبحت عودته متوقعة، وتحولت المواجهة بينه وبين مرزوق إلى بنية يعيد العرض استخدامها: أمر بالطرد، ثم احتجاج، ثم سخرية، وبعدها حكاية أخرى.
وصلت الفكرة قبل أن تنتهي المواجهة.
عرف قدسية كيف يجعل السخرية فعل مقاومة، لا مجرد مساحة للضحك. مرزوق لا يملك سلطة مضادة، ولا يستطيع إسكات الصوت أو طرده. كل ما يملكه هو أن يسخر منه ويؤخر تنفيذ أمره. يطالب بساعته، ويتمسك بها كما لو أنها آخر ما تبقى له من المسرح.
نجح الأداء في التنقل بين حالات متباعدة. ظهر مرزوق مرة متوسلًا، ومرة غاضبًا، ثم ساخرًا أو خائفًا. لم يحافظ قدسية على نبرة واحدة، ولم يقدم شخصية الفنان المهمش في صورة ضحية باكية طوال الوقت. كان مرزوق قادرًا على الهجوم، حتى حين يعرف أن ميزان القوة ليس في صالحه.
حضور قدسية الصوتي كان قويًا، وطبقات صوته خدمت التحولات. الأهم أن خبرته لم تظهر في رفع الصوت فقط، بل في معرفته متى يترك الجملة ومتى يستعيدها، وكيف يجعل الصمت جزءًا من الأداء. لم يحتج إلى نشاط جسدي متواصل كي يبرر وجوده فوق الخشبة.
في لحظات شعرت أن زيناتي قدسية أقوى من مرزوق، وأن حضوره يسبق البناء الذي يتحرك داخله. العرض يعتمد على خبرته اعتمادًا كبيرًا، وهذه الخبرة حملت مقاطع كان يمكن أن يظهر ثقلها بصورة أوضح.
حين دخلت الكتب إلى العرض، خرجت فكرة تهميش الفنان من عموميتها. مرزوق اشترى صندوقين من الكتب، ثم جلس يبيعها لأنه لم يعد قادرًا على تأمين طعامه. ينادي على شكسبير بعشرة دنانير، ثم يخفض السعر. تظهر أسماء نزار قباني ومحمود درويش، فيما تتحول الكتب إلى بضاعة لا تجد من يشتريها.
كان هذا المشهد أقوى من كثير من الكلام المباشر عن موت الفن. لم يعد مرزوق يقول إن الثقافة مهمشة؛ جلست الثقافة أمامي على الأرض وهي تُباع بثمن لا يكفي لإطعام صاحبها. وكلما انخفض سعر الكتاب، اقترب مرزوق نفسه من مصير السلعة التي انتهت صلاحيتها في نظر السلطة.
في مواضع أخرى، لم يمنح العرض الصورة الثقة نفسها. انتقل مرزوق إلى الشعر والحب وموت الحب، ثم إلى قضايا أخرى، واتسع العرض من أزمة الممثل إلى أزمة الثقافة والإنسان والوطن. أضاف هذا الاتساع معاني جديدة، لكنه أضعف التركيز. بعض الحكايات لم تدخل في مسار مرزوق بسهولة.
شعرت في بعض المقاطع أن القضايا التي يدافع عنها العرض دخلت إلى الحكاية قبل أن تجد مكانها الكامل فيها. الشعر جميل في ذاته، لكنه لا يصبح مسرحيًا لمجرد أن ممثلًا متمكنًا يلقيه. كان يحتاج إلى أن يغير شيئًا في الشخصية أو في الصراع، لا أن يضيف كلامًا جديدًا فقط.
لهذا تفوق مشهد بيع الكتب على بعض المقاطع الشعرية. الأول حوّل الفكرة إلى فعل، أما الثانية فبقيت في مساحة اللغة.
تصل المسرحية إلى أكثر لحظاتها إيلامًا حين يحكي مرزوق عن رجل مسن يجلس وحده على كرسي وينتظر الباص الذي سيعيده إلى بيته. ينتظر منذ عام 1948. خرج على وعد بالعودة بعد سبعة أيام، فيما قالت له أمه إنها نسيت «البابور» مشتعلًا وتخشى أن يحرق الدار. مرت السنوات، وما زال يريد العودة ليطفئه.
يحاول مرزوق أن يمنحه كتابين هدية ليتسلى بهما، فيجيبه الرجل بأنه لا يعرف القراءة ولا الكتابة.
هذا المشهد بقي معي أكثر من مقاطع طويلة سبقته. لم يحتج إلى خطاب عن الأرض أو العودة، ولا إلى بناء بيت مدمر فوق الخشبة. كرسي ورجل ينتظران باصًا كانا كافيين.
قوة الحكاية أنها لم تشرح ألمها. تركت البابور مشتعلًا منذ عام 1948، وتركت الرجل ينتظر.
لم تأت الحكاية بعيدة عن سؤال المسرح. مرزوق يتمسك بحقه في البقاء على الخشبة، والرجل ينتظر طريق العودة إلى بيته منذ عام 1948. أحدهما يراد طرده من المسرح، والآخر ما زال خارج وطنه. لم يحتج العرض إلى شرح العلاقة بينهما؛ ترك الرجل على كرسيه، والبابور مشتعلًا في الذاكرة.
لم تكن الإضاءة عنصرًا استعراضيًا. اللون الأخضر في البداية منح الخشبة الفارغة برودة وغرابة، وبقاء أضواء الصالة مضاءة كسر المسافة منذ اللحظة الأولى. لم أكن أمام عالم مغلق يمكن مراقبته من بعيد. وضعتني طريقة العرض في مواجهة مباشرة مع مرزوق، وهذا انسجم مع أسلوب الفرجة والحكواتي.
أما الكرسي، فكان القطعة الوحيدة التي احتاجها العرض تقريبًا. تحول من أداة عادية إلى مكان للانتظار والتعب والغياب. لم يحمل الديكور الفكرة بدل الممثل، وهذه نقطة تحسب للإخراج.
لكن تولي قدسية الإخراج إلى جانب الأداء منح الممثل مساحة واسعة، فيما احتاج زمن الحكايات وتكرارها إلى صرامة أكبر. كان العرض يحتاج إلى حذف أكثر، وإلى ضبط ما يحتاجه بناؤه فعلًا.
كان «سيد الخشبة» أكثر قوة حين حوّل قضيته إلى فعل: مرزوق يفاوض على ساعة، ويبيع الكتب كي يأكل، ورجل ينتظر طريق العودة منذ عام 1948. أما حين ازدحمت الحكايات والخطابات، فقد العرض شيئًا من تركيزه.