فيلم"من لايزال حيا؟":حين يصبح البقاء شكلًا آخر من الموت.
2026 ,19 آب
هاجر سلامة:صوت العرب - القاهرة.
معظم الأفلام التي تتناول القضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطيني وحرب الإبادة التي يتعرض لها بمنتهى الوحشية، على مرأى ومسمع من الجميع، تتناول الدمار المادي، وتؤكد على حجم الخسائر التي تتعرض لها غزة.
لكن نيكولاس واديموف، مخرج فيلم "من لا يزال حياً؟" (Who Is Still Alive / Qui vit encore.، أراد أن يؤكد على الدمار الداخلي للإنسان، وللذين خاضوا هذه الإبادة وخرجوا أحياء. ويؤكد هذا المعنى اسم الفيلم: «من ما زال حيًا؟» (Who Is Still Alive?)، وهو تساؤل يؤكد أنه لن يبقى أحد حيًا، حتى الأحياء منهم أموات. فموت النفس وانكسار الروح أصعب من موت الجسد؛ سيعيشون حياتهم تطاردهم هذه الآلام، ويعيشون بأجساد بلا روح، فقد رأوا عائلاتهم أمواتًا، وعاشوا عمرًا طويلًا يصارعون الموت.
الفيلم يتناول تسع حكايات نجوا من الموت بمفردهم. كل ضحية  تحكي كيف كانت البداية والنهاية، وكيف كتب الله لها عمرًا جديدًا. لم يستعن المخرج بممثلين، بل بضحايا حقيقيين نجوا من هذا الركام، حتى يسألوا: من ما زال حيًا؟ 
ليصطدموا بالاجابة ان جميع عائلاتهم استشهدوا . 
استخدم المخرج أسلوبًا إخراجيًا بسيطًا جدًا، بل يبدو بدائيًا، ولكنه تعمد ذلك حتى لا يؤثر على المشاهد سوى أحاسيس وحكايات ضحايا الحرب. لم يحاول المخرج استخدام أي مؤثرات صوتية أو سينمائية لدعم حجم الدمار الذي حلّ بغزة، وكأنه يقول: دون أي شيء، ستبكي من الدمار الداخلي لهؤلاء الضحايا.
استغنى المخرج عن كونه مخرجًا، وجعل فيلمه مجرد منبر لهؤلاء ليقولوا ما يريدون أن يسمعه العالم، فكان الفيلم هو صوتهم هم فقط.
استخدم المخرج حجرة صغيرة فارغة يكسوها السواد، ورسم على الأرض خطوطًا بيضاء، وجعل الضحايا يرسمون خريطة غزة وخريطة منازلهم، وكأنه يحاول توثيق الجغرافيا الحقيقية للمكان الذي لم يعد يظهر من شدة الدمار، أو كأنه يتنبأ بأن غزة ستصبح في ذاكرة هؤلاء، لأنه لم يعد هناك غزة.
استخدامه للـ«لوكيشن» بهذا الشكل هو دلالة على إفراغ غزة من معالمها الميدانية والبشرية.
تعمد المخرج أن تحكي كل ضحية قصتها مع حركة كاميرا بسيطة جدًا، حتى لدرجة أنني ظننت أن المخرج لديه خطأ إخراجي. ففي أحد المشاهد في نهاية الفيلم، حيث اتخذت بعض اللقطات لأشخاص وهم ينظرون إلى الفضاء، في نظرة معبرة عن سؤال: ماذا غدًا؟!
ودائمًا ما يستخدم المخرجون قاعدة الثلثين والثلث، وهي عبارة عن أن يكون الممثل في ثلث الشاشة، ومع اتجاه نظرة الممثل يُترك ثلثا الكادر للفراغ، دلالة على الغد والأمل والسعة.
ولكن المخرج هنا عكس هذه النظرية؛ فقد جعل الثلثين خلف الممثل، وترك الممثل في الثلث الذي يكون فيه اتجاه نظرته إلى كادر مسدود على عيون الممثل، وكأنه أراد أن يقول: لا أمل، لا مستقبل، أو ربما لا يوجد أحد.
خطأ إخراجي مثل هذا لا يمكن أن يقع فيه مخرج مثل نيكولاس، الذي لديه الكثير من الأعمال الفنية، وأخرج ثلاثة أفلام عن فلسطين.
ويعد هذا العمل، الفائز بجائزة «سولوتورن» السينمائية الرفيعة، الفيلم الثالث للمخرج السويسري الذي يوثق فيه الواقع الفلسطيني، في خطوة فنية تهدف إلى جعل أصوات الضحايا مسموعة عالميًا في مواجهة الأرقام المجردة.
الفيلم وضع الجمهور في حالة لا يمكن وصفها. تظن أنك شاهدت فيلمًا بسيطًا لا يليق بحجم القضية الفلسطينية، لكنه جعلنا جميعًا في حالة صمت وعجز وقهر.
حاولنا الهروب من القاعة ونحن نحمل على عاتقنا معاناة الإجابة؛ فلا أحد استطاع أن يجيب: من ما زال حيًا؟
بل أضاف لنا سؤالًا آخر اشد قسوة :
هل نحن أحياء؟
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون