العري ليس متلازما للسجادة الحمراء دوما .
2026 ,04 آب
د. أمــل الجمل :صوت العرب – كارلوفي فاري.
تصنع إدارات المهرجانات السينمائية برامجاً مهمة في كثير منها. تستغرق شهوراً وأياماً  للعمل عليها. شهور من المتابعات والاتصالات والاتفاقات والمساومات لتحصل على أحقية العرض الأول، أو العروض الخاصة، حتى الأفلام التي تعرض في قسم «آفاق» التي عادة ما تكون قد عرضت في مهرجانات دولية وحققت سمعة كبيرة، هذه الأفلام رغم أنها لا تكون عروضها الأولي في آفاق لكنها تحتاج لجهود كبيرة. 
المدهش - خصوصاً في عالمنا العربي - أن يتم اختصار بعض المهرجانات أحياناً في السجادة الحمراء، بتركيز الأضواء على فساتين النجمات، على الأكثر تقليعة، الأكثر غرابة، والأكثر عُرياً، فنادراً ما نجد بينهم فستان لا يوصف بالعري. وأنا لا أحاكمهن، لكني أفكر في هذه الظاهرة التي لعب الإعلام فيها دوراً فاعلاً، فلايمكن إنكار أن كثير من هؤلاء النجمات قد انساقوا لصحافة الترند، التي تستهل جمع المعجبين واللايكات، ولاتشغل بالهم إلا «الترند» مهما تسببوا في جرح أو إهانة البعض. 
ويصبح الحديث منفي عن جودة ومضامين الأفلام التي تتحدث عن الحريات، والمجتمع، والصعوبات التي تواجه الأسرة، ومشاكل الأبناء والبنات وعلاقاتهم المعقدة بوالديهم، وكيف السبيل لتجسير تلك العلاقة ورأب الصدع بينهم، أو العلاقات المرتبك بين الأحبة، والأزواج، خصوصاً في ظل ارتفاع نسب الطلاق بكل ما له من تأثير على تربية الأولا وعلى نفسيتهم. لاشيء من هذا تهتم به أغلب الصحف، فقط الفساتين العارية. 
جولييت تكسر القاعدة .
لا يتحدث الإعلام عن ذلك ولا عن مضامين المحاورات والنقاش الإنسانية والفنية بقدر ما يلهث وراء ملابس الفنانات ومقدار العري. وهو أمر لم يعد يدهشني طالما فهمت السبب الكامن وراء ذلك. 
جولييت بينوش تكسر هذه الصورة، تحطمها بقوة، هذا ما شاهدت وأعجبني في مهرجان كارلوفي فاري السينمائى الدولي في الدورة الستون التي عقدت خلال الفترة من ٣-١١ يوليو ٢٠٢٦ ، والتي تعتبر دورة استثنائية - في برمجتها وتنوع أفلامها وأسماء المكرمين فيها - خصوصاً في ظل الاحتفال بذكرى مزدوجة، ليس فقط العيد الستون، ولكن أيضاً الذكرى الثمانون للتأسيس، فماذا فعلت جولييت بينوش تلك النجمة التي حصدت جميع أنواع الجوائز الرفيعة من أوسكار وسيزار وبافتا، وجوائز التمثيل في مهرجانات كان وفينيسيا وبرلين وتكريمات آخرى عديدة من أهم وأبرز مهرجانات العالم؟ 
بدلة حمراء أنيقة فضفاضة
انطلقت جولييت بينوش بخطوات ثابتة على السجادة الحمراء ترتدي بدلة حمراء أنيقة فضفاضة، بحذاء أسود مغلق لكنه متين يتحمل السير مسافات، لا يرهق الجسد وأنيق في ذات الوقت. فكيف تعامل الجمهور معها؟ لم ينصرف الجمهور عن جولييت لأنها لم تكن ترتدي فستاناً عارياً، الصور تٌؤكد لهفة أفراد الجمهور علي توقيع الأوتوجرافات منها، على التقاط الصور معها، على النظر إلي وجهها عن قرب.  
المحاورات التي دارت معها - على مدار ما يزيد عن الساعة - عقب تقديم فيلمها «إن آي إن موشن»  في القاعة الكبري بفندق ثيرمال أيضاً تؤكد ذلك. تؤكد أنها امرأة وفنانة جميلة، لكنها انحازت للعقل، للتفكير فيما هو أهم، في القيمة الحقيقية التي تبقى مع الإنسان، خير دليل على ذلك حديثها عن أهمية عدم تصديق فكرة الحصول على الجوائز، لحماية النفس من تضخم الأنا، فالجوائز مجرد نتيجة، والفنان لن يصحبها معه إلي القبر، سيترك كل شيء وراءه. هذا ما قالته بوضوح بطلة «ثلاثة ألوان أزرق» ورئيسة الأكاديمية الأوروبية للسينما، والحائزة على جائزة الأوسكار عن فيلم «المريض الإنجليزي، كما حصدت عنه أيضاً جائزة بافتا، وجائزة الفيلم الأوروبي، وجائزة أفضل ممثلة في مهرجان برلين السينمائي الدولي. أما في التشيك فتم تكريمها بالكرة الكريستال لإسهامها الفني المتميز في السينما العالمية، وذلك بمنحها الكريستال جلوب، وتقديم ثلاثة عروض خاصة لثلاثة من أفلامها، «نسخة طبق الأصل» اخراج الإيراني عباس كيارستامي، و«ثلاثة ألوان أزرق» من توقيع المخرج البولندي كريستوف كيشلوفسكي. 
ربما لم تتعمد جوليت أن تربط بين أسلوب واستايل الملابس الأنيقة غير العارية وبين السير فوق السجادة الحمراء، أقول ربما، لأنه قد لايكون هذا الزي المحتشم مقصوداً، لكن ملابسها أيضاً في العروض التالية، وكذلك في الختام يٌؤكد أنها قدمت نموذجاً يقول بوضوح: يمكنك أن تحتفظ بنجوميتك باحترام وتقدير الجمهور رغم السير فوق السجادة الحمراء بملابس بعيدة عن العري. 
ليس المقصد هنا، إدانة هؤلاء النجمات اللائي يفعلن العكس، إطلاقاً. القصد من وراء ذلك عدم الربط دوما بين العري والسير فوق السجادة الحمراء، المهم ماذا يحمل الإنسان في عقله، وماذا يترك وراءه للناس من أفكار وقيم وخبرات يمكنهم الاستفادة منها، لأجل ذلك تعيش السينما ويُغرم بها الناس، لأنهن يعيشون حيوات عديدة، يتعلمون منها خبرات، يستمتعون بلحظات الحب التي تعيد إحياء القلوب الميتة  أو الوحيدة. 
لذلك كله لم يكن غريباً أبداً أن تختتم جولييت بينوش حديثها عقب تسلمها الجائزة على مسرح القاعة الكبرى بفندق ثيرمال ليلة الختام قائلةً: «أود أيضاً أن أُشيد بالدول التي لا يتمتع فيها الفنانون بحرية التعبير عن أنفسهم، كفلسطين ولبنان وأوكرانيا. نحن بحاجة إلى فنانين ليرووا القصص، ليقولوا الحقيقة. إن الشغف هو جوهر ما نقوم به. وكما ترون، تمر الحياة بسرعة كبيرة. فلنُعطِ أنفسنا للعالم، ولنُعطِ أنفسنا لبعضنا البعض».
 
 


2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون