د. أمــل الجمل:صوت العرب – القاهرة.
بينما كانت ولازالت ماكينة الإبادة الإسرائيلية تعمل على أشدها في غزة، وفي أرجاء مختلفة من فلسطين المغتصبة، كان الشعب التشيكي علي موعد بعدد من الأفلام - التي تقدم له جوانب مختلفة - تُلقي الضوء بقوة وعاطفة على أصول ومجريات هذا الإغتصاب منذ ١٩٤٨ وحتى الإبادة الحالية. لم تكن فلسطين وحدها، حقيقة، لكن الحروب في دول آخرى كانت حاضرة، شرقاً وغرباً.
«اصنعو السينما لا الحرب».. كان شعاراً قوياً مدموغاً على كثير من تفاصيل ومحتويات الدورة التاسعة والخمسين من مهرجان كارلوفي فاري السينمائى الدولي الممتد بين الفترة ٤- ١٢ يوليو ٢٠٢٥، هذا الشعار كان متجسداً ليس فقط في التفاصيل البصرية - مثل الحقائب المميزة للمهرجان والـ تي شرتات وغيرها - لكنه كان حاضراً أيضاً في اختيارات الأفلام، فعدد لا يمكن تجاهله بمختلف الأقسام والمسابقات كان يتحدث عن الحروب أو أثارها التي خربت العالم والطبيعة ولم تتوقف عند حدود الإنسان.
كان لافتاً أن الحضور الفلسطيني - بهذه الدورة من المهرجان التشيكي العريق - يحيطه شحنة عاطفية واضحة، وتجاوب كبير من الجمهور، بلغ حد التضامن، الذي لا يُمكن إغفاله. في ثنايا البرمجة تعددت الأفلام ومنها بعض الشخصيات اللاجئة ومعاناتها خلال رحلة اللجوء، وذلك بالفيلم الوثائقي «النقب» للمخرج السوري عمار البيك والذي عُرض ضمن مسابقة بروكسيما وهى المسابقة الثانية الأهم بعد مسابقة الكرة الكريستال.
كذلك فيلم «ضعي روحَكِ على كفِّكِ واِمْشي» للمخرجة الإيرانية التي تعيش في باريس سفيدا فارسي، والذي عٌرض الفيلم ضمن قسم «آفاق». تدور أحداث هذا الفيلم حول وقائع القتل والتجويع الذي تمارسه "إسرائيل" بشكل ممنهج على شعب غزة، وذلك من خلال الحوارات - المصورة أون لاين - بين المخرجة وبين المُصوِّرة الفوتوغرافية الصحافية فاطمة حسّونة، التي كانت تبلغ من العمر ٢٥ عاماً، إنها الشخصية الرئيسية بالفيلم والتي تُقتَل هى وأهلها جميعها في غارة إسرائيلية 16 إبريل/نيسان 2025.
إذا كان الإسرائيليون يدعون كذباً أنهم لا يمارسون التجويع الممنهج على الشعب الأعزل، فإن هذا الفيلم وثيقة دامغة علي ممارسات التجويع والقتل، وآثارهما. كانت فاطمة حسونة حاضرة بشخصية إنسانية متفائلة، تبتسم أغلب الوقت، حتى اللقطات الفوتوغرافية المصورة بعينيها وعدسة كاميراتها كانت تعبر عن الأمل والجمال رغم بشاعة القصف والخراب والدمار الذي أحدثته الأخيرة الوحشية الإسرائيلية الصهيونية على الأراضي الفلسطينية.
فاطمة حسونة في بداية الفيلم تختلف عن نهايته.. لأنها في البداية كان التركيز قوي، والأمل واضحاً لا يحتمل التشكيك، كانت فاطمة تضحك دوما بابتسامة جميلة بريئة ، بعيونها لمعة الخجل والذكاء، لكنها مع اقتراب نهاية الفيلم وكثرة الحديث عن عدم وجود الطعام، نشعر بها وقد فقدت التركيز، أصبحت مشتتة، تجاهد حتى ترسم الضحك، لم تعد ابتسامتها تخرج بسهولة، كأنها مفتعلة، تجاهد لإخراجها، تتحدث عن طفلة أخبرتها أنها تريد أن تموت حتى تستريح من هذا الوضع، كانت فاطمة حسونة كأنها تتحدث عن نفسها، لأنها وعائلتها كانوا كل يوم وكل لحظة يفكرون فيما سوف يفعلونه في يومهم بدون طعام، وكيف يحصلون على أي طعام يُبقيهم على قيد الحياة.
فاطمة حسونة أيضاً أثناء ذلك الحوار مع سيدا الإيرانية كانت توثق لبعض جرائم إسرائيل، للقتل والخراب وصوت القنابل أو الصواريخ وانهيارات المباني. تحكي عن قريبتهم التي تمزقت أشلاؤها فأحضروا الرأس من شارع وباقي الجسد من شوارع آخرى.
إذاً، ولكل ما سبق، ربما تصدق الأقاويل بأن فاطمة حسونة قتلها الإسرائىليون عمداً، بغارة موجهة، خصوصاً أن هذا تم بعد ساعات قليلة من إخبار المخرجة لها أنّ الفيلم تم اختياره للعرض في مهرجان كانّ السينمائى 2025، وهى فرحة كبيرة بدت جلية على وجه الفتاة الشابة التي أصبحت مشوشة التركيز بفعل وحشية التجويع.
إذاً، ربما كانت الغارة الإسرائيلية مقصودة ومتعمدة، فالبيت تم اختيار بعناية ودقة للخلاص من المُصوّرة الشابة فاطمة حسونة التي كانت توثِّق الجرم الإسرائيلي ليس فقط في صُورها المتنوعة، لكن أيضاً لأنها حاضرة بقوة في فيلم سيٌعرض أمام جمهور كان السينمائى ومن بعده ينطلق لمهرجانات العالم وفي مقدمتها مهرجان كارلوفي فاري. كان الإسرائيليون يريدون تكميم وودأ صوت فاطمة حسونة، بقتلها، لكنهم لم يدركوا أن صوت فاطمة حسونة بعد مقتلها أصبح آلاف الأصوات، فخلف مزيداً من التعاطف، بغض النظر عن سينمائية الفيلم لأنه يعاني بعض الهنات في البناء الفني، حيث يتكرر به بعض المشاهد، وهناك تطويل وتكرار في الاتصال، لم يكن من الضروري أبداً أن تبقينا المخرجة معها في كل محاولة إتصال لتثبت لنا أنها محاولة جديدة أو أن خطوط التواصل عبر الإنترنت كانت سيئة، خصوصاً في غزة، كل هذا كان واضحاً أثناء اللقاءات وفي متنها. كما أن الفيلم كان يمكن إثراؤه ببعض الشخصيات الآخرى من محيط فاطمة حسونة كما فعلت ببعض المشاهد حيث حضر الأب والأخوين، كل في لقطات منفصلة أو مجتمعين .. وهى لقطات كانت جميلة إنسانياً. ختاماً، يمكن القول، أن هذا الفيلم الوثائقي رغم أهميته، لكن لا يمكن إنكار أن ظروف الحرب ساندته، لأنه كان يحتاج إلي مزيد من الاشتغال الفني.
على صعيد آخر، موازي، لا يمكن إغفال عرض فيلم «اللي باقي منك» للمخرجة الأمريكية الفلسطينية شيرين دعيبس، ضمن قسم «عروض خاصة» وهو فيلم يستحق مقالا بمفرده لأن استقبال الجمهور له كان استثنائياً، واحتفائياً، وكشف عن تضامن كبير مع الشعب الفلسطيني.