تقنيات فنية وأسلوبية في " توب الدنيا " للشاعرة "آمال ناجي".
غلاف ديوان "توب الدنيا" للشاعرة اّمال ناجي.
*أد. أحمـد فـؤاد:صوت العرب – القاهرة.
ديوان (توب الدنيا) الصادر عام 2020م عن دار لوتس للنشر والتوزيع، هو باكورة دواوين  الشاعرة آمال ناجي الشعرية، ولعلَّني لا أبالغ إن قلت إنه من أبرز الدواوين التي صدرت في الآونة الأخيرة في مجال شعر العامية.
تقدم آمال ناجي في هذا الديوان دفقات شعورية مكثفة يغلفها الإحساس الرومانسي / الاجتماعي الحزين في أغلب نصوصه الشعرية، بالإضافة إلى بعض النصوص القليلة التي تعبر عن الانتماء للوطن.
ففي مطلع نص (توب الدنيا) تطالعنا هذه الأبيات:
( لما تحس بخنقة وضيقة
  وتوب الدنيا خلاص مشقوق
  لما تحس بقهر وكره 
  وكل العالم أصبح طوق...) – (الديوان – ص 11)
وفي نص (سلسال غياب)، تقول الشاعرة:
(عجبي عليك يا زمن 
 عجبي عليك
 أما بقيت من غير تمن
 يتشفوا فيك
 وانت اللي كنت لهم تمن) – (الديوان – ص 33)
 وتقول كذلك في نص (زايغ روح):
 انت اللي جارحني
 وقول ما آمن لك؟
 وانت اللي دابحني
 وقول أنا منك
 دابت ليالي الشوق
 من ظلمها منك) – (الديوان – ص 57)
وقراءة معظم نصوص الديوان تبين لنا بوضوح هذا التيار الحزين الجارف الذي يغلب عليه الطابع الرومانسي المرتبط بهجر الحبيب أو ظلمه أو خيانته أحيانا، وقسوة الزمن وتبدُّل الأحوال وتغيُّر نفوس البشر أحيانا أخرى.
نحن إذن إزاء تجربة شعورية خاصة وحالة نفسية محددة، لا يمكن بالطبع تقييمها، وإنما يكفي رصد أصدائها في النصوص الشعرية، فالشاعر يبوح بما في مكنونه الشعري، ولا يملك النقاد سوى رصد ملامح هذا المكنون وتجليات هذه الرؤية الشعرية – أيا كان هذا المكنون وهذه الرؤية.
ولا ينقص من بهائها سوى تقديمها خالية من جماليات الأداء الشعري، وهو ما لم نجده بحال في (توب الدنيا).
فقد انسجمت الرؤية الشعرية والتجربة الشعورية المذكورة مع امتلاء النص بكثير من التقنيات الفنية والأسلوبية، والقراءة المتأنية للديوان تؤكد هذا، ويجدر في هذا المقال تقديم نماذج توضح ذلك.
أولى هذه التقنيات عتبة النص الأولى (العنوان)، وقد اتضح منذ الوهلة الأولى ميل منتجة النص إلى العنوان المصوغ بالعامية المصرية وليس العنوان الفصيح.
فهناك ستة عناوين عامية من بين ثلاثة عشر عنوانا هي كل عناوين نصوص الديوان، مثل (توب الدنيا – لملم جراحك يا وطن – قلبي فدا بلدي، وغيرها)، في مقابل عنوانين فصيحين هما: (جيران القمر) و(ثمن الغربة)، هذا بجانب  خمسة عناوين محايدة يمكن قراءتها على أحد الوجهين (الفصيح أو العامي)، مثل (صالح قلبي – حسب الظروف – سكت الكلام، وغيرها).
ويبدو لي أن هذا الاختيار أمر طبيعي من منتجة النص في ديوان شعر بالعامية، فمن البديهي أن يكون الانحياز الأول في الاختيار للعنوان العامي أو المحايد.
ويبدو لي كذلك أن اختيار آمال ناجي (توب الدنيا) عنوانا للديوان اختيار ذكي للغاية، وقد أصبح بمثابة التيمة المميزة للديوان، فهو أكثر العناوين جذبا للانتابه من أي عنوان آخر بالديوان، بجانب تعبيره عن الرؤية الشعرية بالديوان؛ حيث التغير الاجتماعي /الرومانسي في الحياة (الدنيا)، وامتلاؤها الأحزان أو الأزمات؛ ومن ثم نحتاج لتغيير (توب الدنيا) الحزين والمؤلم، ويكون لدينا (توب الدنيا) الجديد الذي نرجوه.
وتطالعنا أثناء قراءة نصوص الديوان ظواهر بنائية وأسلوبية متعددة تماثل ما نجده في النصوص الشعرية الفصيحة، ولكن لها في (توب الدنيا) مذاقا شعريا مختلفا يناسب المضمون الشعري المقدَّم بالعامية.
من أبرز هذه الظواهر ظاهرة (التكرار الأسلوبي)، والتي قدَّمت وظائف شعرية متعددة.
لو قرأنا مثلا نص (لملم جراحك يا وطن)، سنلاحظ تكرار أسلوب النداء (يا وطن) ثلاث مرات في المقطع الشعري الأول، بما يكشف عن عشق منتجة النص الشديد لتراب وطنها، ورغبتها في القضاء على أحزانه وأزماته السابقة:
(لملم جراحك يا وطن .. لم الجراح
يكفي اللي راح يا وطن 
يكفي اللي راح
إيدي في إيدك يا وطن
عزوة وسلاح
إحنا ولادك يا بلد...) – (الديوان – ص 4)
ويبدو الأثر الشعري للتكرار الأسلوبي واضحا كذلك في خاتمة نص (كبرياء) الرومانسي الحزين، والذي يظهر اضطرار المحب لترك من يحب، بسبب الخيانة !!
(يبقى سلام والقلب داعي لك
أنا مش ليك
هونت عليَّا خلاص ونسيتك
أما يا قلبي أنا هونت عليك
هونت عليا خلاص ونسيتك
أما يا قلبي أنا هونت عليك) – (الديوان – ص 32)
نلاحظ كذلك ظاهرة (الترابط النصي بين الجمل الشعرية)، وذلك من خلال عدة وسائل، مثل الربط بين جملتين في الإيحاء بالعاطفة الشعورية، ثم المزج بين هاتين الجملتين وجملتين تاليتين، وكذلك ذكر جملة طويلة نسبيًّا لا تكتمل إلا بكلمة في نهاية السطر الشعري، ويبدو أن هذه الظاهرة أسهمت في الترابط النصي بين أجزاء النص الشعري، وإيصال الدفقات الشعورية للقارئ.
من أمثلة ذلك ما نجده في نص (خدني الحنين):
( قلبي اللي عايش بين ضلوعك ..    هزِّني
  قلبي اللي قاسى في يوم بعادك ..   رجِّني
  خليني أغمض لأجل أشوفك ..      ضمِّني
  قرَّب شوية ودوق حناني     ..      حسِّني
  وخلِّي روحك تدوب معاك ..        من كتر شوقي ) – (الديوان – ص 70).
ويستمر النص على الوتيرة نفسها، حتى نهايته.
 ومثلها نصوص كثيرة تسير على هذا النهج الأسلوبي مثل (كبرياء) و(سلسال غياب).
ويبدو في نصوص الديوان ملمح تصويري واضح، يتمثل في اعتماد آمال ناجي على استعارات جزئية كثيرة في السياق الشعري، لا بتلبث أن تترابط وتتكامل في صور استعارية مترابطة متكاملة، تحقق – في رأيي – ما يُسمَّى في البلاغة الحديثة بـ (حجاجية الصورة الاستعارية)، والتي تسهم في إقناع القارئ بصدق التجارب الشعرية المقدَّمة في الديوان.
من أمثلة ذلك ما نقرؤه في نص (جيران القمر):
( تاه الغرام
  تاه الغرام أما إتقتل فيا الأمل 
  ماتت حقيقة 
  قلبي اتفطم على حبه
  من يوم اللقا
  دابت ليالينا حنين 
  والشوق روانا طول لقانا اللي انسطر
  فوق نجمة عالية
  من سما الليل الحزين
  أما اتقابلنا وكنا جيران القمر
  وعينيه قالتلي كتير دا عشق ) – (الديوان – ص 38، 39)
  وهكذا حتى نهاية النص الشعري الرومانسي الحزين الذي ينتهي بتكرار تساؤل شعري /حجاجي أيضا:
( أنا عشقي ليه ازاي يا ناس
  بعد النهاردة يروح هدر ؟؟) – (الديوان – ص 41)
وتستمر التساؤلات الشعرية في عدد غير قليل من النصوص الشعرية، وقد تأتي في صورة حوار شعري في نص (رصاص خيانة)، تطرح فيه مثل هذه التساؤلات الحزينة على ابنها الذي قُتل برصاص الخيانة في حادث إرهابي.
من أمثلة هذه التساؤلات الواردة في سياق النص الشعري:
( هو انت إيه اللي جرالك ؟؟
سالت دموعك من آلامك؟؟
وإلا دي من فرقتي
هو انت مين اللي آذاك؟؟
مين اللي مد إيديه عليك؟؟
من غشيم اللي بإيديه 
سالت دماك؟؟
هو اللي قتلك ده دا إيه؟؟
خنزير عقيم؟؟) ) – (الديوان – ص 42، 43)
ولا ننسى احتفاظ نصوص الديوان بالإيقاع الشعري الهادئ والمتناغم مع رؤاه وتجاربه المطروحة، بجانب توافق الحرف الأخير في كثير من الأبيات المتتالية داخل النصوص الشعرية، وهذا واضح في النماذج الشعرية السابق ذكرها في المقال.
كثيرة هي التقنيات الشعرية التي ظهرت في نصوص (توب الدنيا)، تعبيرا عن حالة نفسية خاصة وتجربة شعورية عميقة، ولعله قد اتضح من خلال هذا المقال أبرز هذه التقنيات فنيا وأسلوبيا، وقد تضافرت هذه التقنيات بالفعل في تقديم قالب فني عميق تتضح من خلاله الرؤى الشعرية، واستطاعت آمال ناجي بذلك تقديم إيحاءات شعرية عميقة في ديوان (توب الدنيا).  
  * ناقد وأكاديمي مصري، وأستاذ  الأدب الحديث بجامعة عين شمس.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
  
 
 
2022 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون