*دور العرض المسرحي في تعزيز القيم الوطنية والعروبية ببعدها الإنساني في الداخل الفلسطيني 48.
2026 ,18 أيلول
أسامة مصري :صوت العرب - فلسطين.
حين نتحدث عن المسرح الفلسطيني في الداخل، فإننا لا نتحدث عن وسيلة للترفيه فحسب، وإنما عن أحد أشكال الحفاظ على الهوية واللغة والذاكرة، وعن مساحة أسهمت في تعزيز الانتماء الوطني والتواصل مع المحيط العربي، وفي الوقت نفسه حملت خطابًا إنسانيًا يتجاوز الحدود السياسية والجغرافية.
بعد نكبة عام 1948، خاض الفلسطينيون الذين بقوا في وطنهم صراعًا حقيقيًا من أجل البقاء. وفي ظل الحكم العسكري والعزلة عن العالم العربي ومحاولات طمس الهوية، انشغلت العائلة الفلسطينية بتأمين مستقبل أبنائها، فأصبح التعليم الأكاديمي، وخاصة الطب والهندسة والمحاماة والصيدلة، في مقدمة أولوياتها.
أما الثقافة والفنون، والمسرح تحديدًا، فبقيت طويلًا في مرتبة متأخرة.
وكان من الطبيعي أن يسأل الأب ابنه الذي يريد دراسة الطب: أين ستدرس؟ بينما يسأل من يريد دراسة المسرح: وماذا ستعمل بعد ذلك؟
وهذا الفرق بين السؤالين يلخص جانبًا مهمًا من علاقتنا بالثقافة.
لقد نجح المجتمع الفلسطيني في الداخل نجاحًا لافتًا في التعليم والمهن الأكاديمية. فنحن نتحدث اليوم عن مجتمع يزيد تعداده على مليوني نسمة، يشكل نحو خُمس السكان، وله حضور كبير في الجامعات وفي قطاعات الطب والصيدلة والتمريض والهندسة والمحاماة وغيرها.
وهذا إنجاز ينبغي الاعتزاز به.
لكننا نواجه في الوقت نفسه مفارقة مؤلمة: هذا التقدم العلمي والمهني لم يحمِ مجتمعنا من التفكك الاجتماعي، ولا من الانتشار الخطير للعنف والجريمة.
وهنا يحق لنا أن نسأل:
هل اهتممنا ببناء الإنسان المهني أكثر مما اهتممنا ببناء الإنسان الثقافي؟
بالطبع، لا يمكن الادعاء بأن المسرح والفنون وحدهما قادران على منع الجريمة، فالعنف ظاهرة معقدة ترتبط بعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وبانتشار السلاح والجريمة المنظمة ومسؤولية مؤسسات "الدولة".
لكنني أعتقد أن مجتمعًا يستثمر أكثر في الثقافة والمسرح والموسيقى والأدب والفنون، ويمنح أبناءه مساحات للتعبير والحوار والعمل الجماعي، سيكون أكثر قدرة على مقاومة العنف.
فالثقافة لا تصادر المسدس من يد المجرم، لكنها تستطيع أن تشارك في بناء الإنسان الذي يرفض أن يحمل المسدس أصلًا.
وهذه ليست وظيفة جديدة للثقافة الفلسطينية في الداخل.
فمنذ السنوات الأولى بعد النكبة، لعبت الصحافة والأدبيات العربية دورًا بالغ الأهمية في الحفاظ على الهوية واللغة. وكانت صحف ومجلات مثل «الاتحاد» و«الجديد» و«الغد» و«الدرب» و«التقدم» وغيرها، وخاصة تلك المرتبطة بالحركة الثقافية التي نشطت حول الحزب الشيوعي، منابر للأدب والشعر والفكر والنقد.
وفي زمن كانت فيه "السلطات" تحاول فصل الفلسطيني عن محيطه العربي وإعادة تشكيل هويته، أصبحت القصيدة والقصة والمقالة والأغنية أدوات للدفاع عن الذاكرة والانتماء.
ثم جاء المسرح ليمنح هذه الكلمة جسدًا وصوتًا وخشبة وجمهورًا.
وللمسرح خصوصية مهمة؛ فهو فن جماعي بطبيعته. هناك ممثل يقف أمام ممثل آخر، وجمهور يجتمع في مكان واحد، وهناك حوار واختلاف وإنصات.
وبهذا المعنى، فإن المسرح هو تدريب مصغر على فكرة المجتمع نفسه.
لقد ارتبط تطور المسرح الفلسطيني الحديث بتطور الوعي الوطني، وبرزت تجارب أساسية مثل تجربة «الحكواتي»، التي أسهمت في تأسيس مسرح فلسطيني مهني يحمل الحكاية الفلسطينية ويستفيد في الوقت نفسه من التراث العربي ومن تقنيات المسرح العالمي.
كما برز فنانون فلسطينيون كثيرون حملوا على الخشبة أسئلة الهوية والذاكرة والوطن والإنسان، من بينهم محمد بكري، مكرم خوري، يوسف أبو وردة، سليم ضو، غسان عباس، إدوار معلم، جوليانو مير خميس، رياض مصاروة، نزار زعبي، وغيرهم.
ويمكن أن نذكر، على سبيل المثال، أعمال فرقة الحكواتي مثل «محجوب محجوب» و«قصة العين والسن» و«قصة كفر شما» و«أريحا سنة صفر»، وتجربة مسرح الميدان في حيفا، وغيرها من الأعمال التي جعلت الخشبة مساحة لمناقشة الرواية الفلسطينية والحرية والهوية والذاكرة.
أما تجربة جوليانو مير خميس في مسرح الحرية في جنين، فقد طرحت بصورة واضحة فكرة المقاومة الثقافية: أي تحويل الخوف والغضب والقهر إلى فعل إبداعي، واستخدام المسرح لبناء إنسان قادر على التعبير عن نفسه بدل اللجوء إلى العنف.
وهنا يلتقي الوطني بالإنساني.
فالمسرح الوطني، في رأيي، ليس المسرح الذي يرفع الشعارات السياسية فقط.
الوطنية في المسرح هي أن يعرف الإنسان حكايته، ويحافظ على لغته، ويحترم ذاكرته، لكنه في الوقت نفسه يمتلك الجرأة على نقد مجتمعه.
ولهذا فإن المسرح الفلسطيني الحقيقي يجب أن يتحدث عن الأرض والنكبة والهوية والانتماء، ولكنه يجب أن يتحدث أيضًا عن العنف والجريمة، وعن المرأة والطفل، وعن الفقر والتمييز، وعن حرية الإنسان وكرامته.
فالوطن ليس خريطة فقط؛ الوطن هو الإنسان الذي يعيش فوق هذه الخريطة.
أما البعد العروبي للمسرح الفلسطيني في الداخل، فيبدأ باللغة العربية نفسها.
كل مسرحية عربية جيدة يشاهدها طفل فلسطيني هي مساهمة في الحفاظ على لغته وهويته. وكل عمل فلسطيني يشارك في مهرجان في القاهرة أو عمّان أو تونس أو الشارقة أو بغداد أو غيرها، يعيد وصل الفلسطيني في الداخل بمحيطه الثقافي الطبيعي.
ونحن لا نذهب إلى العالم العربي لنقول فقط: نحن ما زلنا هنا، بل لنقول أيضًا: نحن جزء من هذه الثقافة، نؤثر فيها ونتأثر بها.
وهذا التواصل لا ينبغي أن يتوقف عند البعد الوطني والعروبي، بل يجب أن يصل إلى البعد الإنساني.
فالمشاهد العربي أو الأجنبي قد لا يعرف اسم قريتي، لكنه يعرف معنى أن يفقد الإنسان بيته.
وقد لا يعرف تفاصيل واقعنا السياسي، لكنه يعرف معنى الظلم والخوف والمنفى والحب والفقدان والبحث عن الحرية.
وهنا تصبح الحكاية الفلسطينية حكاية إنسانية يستطيع الآخر أن يتفاعل معها.
أيها الأصدقاء،
ربما كان آباؤنا معذورين عندما وضعوا الطب والهندسة والمحاماة في مقدمة سلم الأولويات. كانوا يخوضون صراع بقاء، ويريدون لأبنائهم الأمن الاقتصادي والمكانة الاجتماعية.
*ورقة الفنان اسامة مصري في الندوة الفكرية "دور المسرح في تعزيز القيم الوطنية والعروبية ببعدها الإنساني" التي اقيمت في مركز الملك عبدالله الثاني الثقافي  ضمن فعاليات  مهرجان صيف الزرقاء المسرحي 24.
تصوير :نجلاء الصباح
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون