
المخرج نبيل نجم - الاردن.
المخرج نبيل نجم :صوت العرب – الاردن.
مقدمة
يشكل الفنان الأردني الراحل سهيل الياس واحداً من أبرز أعلام الحركة المسرحية الأردنية، ومن الجيل الذي أسهم في ترسيخ هوية المسرح الوطني منذ بداياته المؤسسية في ستينيات القرن الماضي. ولم يكن حضوره مجرد مشاركة في أعمال مسرحية، بل كان جزءاً من مشروع ثقافي آمن بأن المسرح رسالة تنويرية، وأداة لبناء الإنسان والوعي، ومنصة للحوار مع المجتمع.
وقد ارتبط اسم سهيل الياس بأسرة المسرح الأردني منذ عام 1966، وهي المرحلة التي شهدت تشكل ملامح الحركة المسرحية الحديثة في الأردن، وأسهم من خلالها في بناء تجربة مسرحية امتدت لعقود، قبل أن يواصل مسيرته مؤسساً لفرقة مسرحية وشركة إنتاج، ومخرجاً، وكاتباً، ومنتجاً.
أولاً: أسرة المسرح الأردني... البدايات والتأسيس
جاءت أسرة المسرح الأردني في مرحلة كان فيها المسرح الأردني يبحث عن هويته الفنية والثقافية، فشكّلت إطاراً جمع عدداً من الرواد الذين آمنوا بأهمية المسرح في بناء المجتمع، وتقديم خطاب ثقافي يعبر عن الإنسان الأردني وقضاياه.
وفي هذا المناخ، برز سهيل الياس بوصفه فناناً شاباً يمتلك طموحاً ورؤية تتجاوز حدود الأداء التمثيلي، حيث نظر إلى المسرح باعتباره مشروعاً متكاملاً يجمع بين الفكر والإبداع والإدارة الثقافية.
ثانياً: سهيل الياس... الفنان الذي نشأ داخل المؤسسة المسرحية
منذ انضمامه إلى أسرة المسرح الأردني، شارك سهيل الياس في عدد من التجارب التي أسهمت في صقل شخصيته الفنية، فاكتسب خبرة في التمثيل، واطلع على أساليب الإخراج، وتعرّف إلى أهمية النص المسرحي في تشكيل الوعي الجمعي.
وقد أتاحت له هذه المرحلة العمل إلى جانب نخبة من رواد المسرح الأردني، الأمر الذي جعله جزءاً من جيل أسس لنهضة المسرح المحلي، وساهم في نقل التجربة الأردنية إلى فضاء عربي أوسع.
وكان يحرص على أن يكون المسرح قريباً من الناس، معبّراً عن همومهم وتطلعاتهم، وهو ما انعكس لاحقاً في مجمل مشاريعه الفنية.
ثالثاً: العلاقة الإنسانية داخل أسرة المسرح الأردني
لم تكن علاقة سهيل الياس بزملائه علاقة عمل فحسب، بل كانت علاقة قائمة على الاحترام والتعاون والإيمان برسالة الفن.
عرف عنه دعمه للمواهب الجديدة، وحرصه على نقل خبراته إلى الأجيال الشابة، إيماناً بأن استمرارية المسرح تعتمد على إعداد جيل جديد قادر على حمل الرسالة.
وقد شهد له كثير من الفنانين بأنه كان زميلاً كريماً، ومعلماً، وصاحب رؤية، يؤمن بالعمل الجماعي أكثر من إيمانه بالبطولة الفردية.
رابعاً: إسهامه في تطوير الحركة المسرحية الأردنية
لم يتوقف دور سهيل الياس عند حدود المشاركة في العروض، بل امتد إلى الإخراج، والكتابة، والإنتاج، وتأسيس المؤسسات الفنية التي دعمت الحركة المسرحية والدرامية في الأردن.
ويمكن القول إن أسرة المسرح الأردني كانت المدرسة الأولى التي انطلقت منها هذه الرؤية، قبل أن تتطور إلى مشاريع أكثر اتساعاً، كان من أبرزها تأسيس فرقة عمون 74، والدخول في مجال الإنتاج التلفزيوني، وهي خطوات أسهمت في تعزيز حضور الفنان الأردني عربياً.
خامساً: أثره في الأجيال اللاحقة
ترك سهيل الياس أثراً واضحاً في أجيال متعددة من المسرحيين الأردنيين، ليس فقط من خلال أعماله، وإنما من خلال حضوره في الورش، والندوات، والمهرجانات، وحرصه على الدفاع عن الفن الأردني، والدعوة إلى تطويره ومواكبة التحولات الفنية.
وقد ظل حتى سنواته الأخيرة مؤمناً بأن المسرح هو أساس الفنون الأدائية، وأن بناء الدراما الأردنية يبدأ من بناء مسرح قوي يمتلك هوية واضحة ورسالة ثقافية.
خاتمة
يصعب الحديث عن تاريخ المسرح الأردني من دون التوقف عند تجربة الفنان الراحل سهيل الياس، الذي ارتبط اسمه بأسرة المسرح الأردني منذ بداياتها، وأسهم في ترسيخ مكانتها بوصفها حاضنة للطاقات الإبداعية ومنطلقاً للحركة المسرحية الحديثة في المملكة.
لقد جمع بين الموهبة والثقافة والإدارة الفنية، وظل طوال مسيرته وفياً للمسرح، مؤمناً بدوره في بناء الإنسان والمجتمع. ومن هنا، فإن تكريمه اليوم لا يقتصر على استذكار مسيرته، بل هو احتفاء بجيل كامل من الرواد الذين أسسوا للمسرح الأردني، ووضعوا اللبنات الأولى لمسيرته التي ما تزال مستمرة حتى اليوم.
*ندوة تكريمية للفنان الراحل سهيل الياس - مسرح الرحالة - عمان 2025