2026 ,25 آب

هشام كفارنة: صوت العرب - الأردن.
قبع ، جلس، كمن، مكث، استكان تلك في ظواهراها أفعال ولكنها منخفضة الديناميكية و تبدو مرتبطة إلى حد كبير بالسكون، ويمكن أن نلمس في جوهرها استسلاماً للقيود المفروضة عليها و التي تحول بينها وبين الحركة الضاجة بالحيوية والنبض العالي فالحرية... بينما أذا نظرنا إلى الضفة الأخرى فنرى أن :
قام، انتقل تحول، سافر، رحل، ارتحل. هي أيضاً مجموعة أفعال ولكنها مرتبطة بشكل عضوي بالحرية و انعتاقها من سلطتي المكان والزمان والسعي الدؤوب لمقاربة حيوات ومحاكاة عوالم مبتكرة جديدة و بما ينسجم مع سمتي الفن المسرحي من حيث هو خلق وابتكار لفضائات حرة مفتوحة.
ولطالما حاولت السلطات التعسفية على اختلاف مظاهرها وتجلياتها الحد من خطورة الفن المسرحي عندما يكون متحركاً والفنان عندما يكون متحرراً واضطرت المبدعين إلى تقديم عروضهم في أمكنة ضيقة و مظلمة للحد من إمكانية انتشار ما يقدمونه ولحصار الأثر الذي يمكن أن يتركوه على المتلقين ،ل فانحسرت العروض العريضة التي كانت تُقدم في المدرجات الكبيرة و في الساحات ليتم تقديمها لاحقاً في صالات مسارح صغيرة قريبة من الرقيب وتحت بصره وسيطرته كي لا يجنح الفنانون إلى المبالغة بأحلامهم وبحرية ما يطمحون إليه من أهداف .
إن إقامة التظاهرات والعروض المسرحية منذ نشأتها لم تكن حبيسة الأماكن المغلقة، بل كانت تُقدَّم في الفضاءات المفتوحة التي تتسع لأعداد هائلة من الجمهور، وتحقق أثناء تقديمها حالات تفاعلية حارة مع الجمهور ، إلى ان أتى الزمن الذي انحسرت فيه العروض نحو صالات العرض التقليدية، والتي اصطلح على تسميتها أحياناً بالعلبة الإيطالية، رغم أنه بعض الفنانين الإيطاليين ينكرون أو يتنكرون لهذه التسمية، كما هو الحال في مهرجان البحر الأبيض المتوسط و الذي كان يديره المخرج (جينو لوكابوتو ) والذي تقدم عروضه في فضاءات مختلفة يتم استثمار تضاريسها لخدمة العرض. وقد سبق لفرقة مسرح الرحالة أن قدمت عرضاً ل حكيم حرب في إحدى دوراته كما سبق لي أن شاركت فيه بعرض مسرحيتي "بيت الدمى" في ساحة كنيسة عتيقة في مدينة (كونڤرسانو ) بعد أن كنا قد عرضناها في ساحة ملعب رياضي في المدينة الرياضية في اللاذقية، وفي مهرجان المتوسط اتيحت لي فرصة مشاهدة عدة عروض في أماكن مختلفة حتى التي تعتمد على نصوص كلاسيكية منها مثل نص (عطيل)
لابد إلى التنويه أنه في عدة دول حول العالم، ثمة مهرجان تقدم بنفس المضمون و بأسماء مختلفة. مثل المسرح الجوال في سوريا ومسرح مكان قي تركيا الذي أُتيحت لي أيضاً المشاركة فيه، بعرض البيت ذو الشرفات السبع، حيث قدمنا العرض في مكانين مختلفين في اسطنبول على جسر (جالاطا)، و كنيسة (ايا صوفيا)
وبالنسبة لي أيضا وفي نفس السياق قمت بتقديم تجربة لمسرح الطفل بعرض (جبل البنفسج )في مناطق مختلفة من منظقة حوران السورية.
ولايمكن أن نغفل التجربة الرائدة للمسرحي السوري فرحان بلبل مع المسرح العمالي في حمص حيث كان يذهب بعروضه إلى أماكن تجمع العمال ليقدم لهم عروضاً تعبر عنهم وتمس معاناتهم . لكن ما يجدر الإشارة إليه والتوقف عنده بل و الاشادة بما حققه هو مهرجان مسرح الرحالة الذي كانت فرقة مسرح الرحالة عماداً له استطاعت أن تقدم تجارب مختلفة متميزة و مغايرة بكليتها ليس باعتماد الفضاء فحسب بل مت حيث المبنى والمعنى أيضاً في أغلب عروضها ومايسجل لهذه الفرقة أنها استطاعت الاستمرار في رحلتها رغم الصعوبات المتنوعة التي تواجه مثل هذا النوع من العروض والذي كان آخر ما شاهدناه منها مساء أمس عقب حفل افتتاح المهرجان الذي كانت جزءاً منه، وباشتغال ذكي و بارع مبني على نص (جان جينيه)و منعتق من أسره عبر استثمار واعٍ لطبيعة الفضاء في ساحة مسرح أسامة المشيني على مستوى السينوغراف، و ابراز متمكن وحاذق للأفكار الفنية التي طرحها العرض، و قد شكل مرافعة عن الظلم الذي يقع على شريحة واسعة من المجتمع في وجه تلك الطبقات الرخوة التي تمارس تنمرها على من دونها من شرائح منشغلة بأهوائها و متعها ضاربة بعرض الحائط كل ما يعتري الآخرين من مكابدات وآلام، وهنا لا بد من الإشادة بجهود الممثلات الثلاث اللائي لعبن أدوارهن بتمكّن وبدين محافظات على سمات كل شخصية ودوافعها وطرائق سعيها للتعبير عن العوالم الداخلية للشخصية التي تلعبها. متنقلات بين مستويي الأداء بشطارة و اقتدار ، ولا يمكننا أن نفوت اللحظة و نمررها قبل توجيه التحية للمخرج حكيم حرب قبطان فرقة مسرح الرحالة ومُدير مهرجان مسرح الرحالة للفضاءات المغايرة.
الذي كان و ما زال قابضاً على جمر المسرح، هذا الفن النبيل انطلاقاً من إيمانه بسمو الرسالة التي يحققها في الارتقاء بالهوية الفنية بل والثقافية للجمهور الذي تتنامى ذائقته في التلقي مع كل فعل جمالي يُقدَّم في فضاءات الابحار المسرحي...
* ورقة قدمت ضمن محور فلسفة مهرجان الرحالة في الخروج من العلبة بين البحث الجمالي ومحاولة تجسير الفجوة بين المسرح والجمهور - عمان 24-8-2026





