2026 ,24 أيلول

رانيه حداد:صوت العرب – الاردن.
في مشهد افتتاحي تأسيسي جميل وآسر، يضعنا مخرجي الفيلم الهندي الروائي "جالكي" مباشرة وبشكل مختزل ومكثف أمام عوالم الفيلم وحكايته، التي يختلط فيها الخيال الطفولي مع الواقع الصعب والصارم. نحن أمام رجل وسط صحراء مقفرة، يقف بجانب صندوقه السحري، الذي يبدو وكأنه الوعد الوحيد بالبهجة والأمل وسط هذا الخواء القاسي، يلوح في الأفق الطفلان "جالكي" و"بابو" يركضان نحو الرجل والصندوق، بانتظار مشاهدة وسماع قصة العصفور وحبة القمح، التي هي إحدى القصص الشعبية الجميلة عن عصفور وقف على عود خيزران، فسقطت منه داخل العود بالخطأ حبة القمح التي سيقتات عليها، فيطلب من الحطاب المساعدة لإخراجها، إلا أنه يستهزئ بطلبه ويرفض المساعدة، فيذهب العصفور إلى من هو أعلى مرتبه؛ إلى الملك، مستنجداً وطالباً معاقبة الحطاب الذي رفض مساعدته، فينهره الملك ويهزأ منه بدوره، وهكذا بإصرار وعزيمة يواصل العصفور البحث عن حل، عمن يساعده، إلى أن يصل إلى هدفه.
هذه القصة الشعبية البسيطة والعميقة في آن، تُنسَج بحِرَفية مع مسار حكاية الفيلم، التي تتمحور حول الطفلة "جالكي" -ابنة التسع سنوات- والتي يحمل الفيلم اسمها، وشقيقها الصغير بابو" ذو السبع سنوات، اللذان يعيشان حياة بائسة لكنها هانئة في ريف أوتار براديش، تُعاني أسرتهما من الديون والفقر المدقع، وتتفاقم الأزمة بعد حادثة تجعل الأبوين في مأزق، فتقرر الأم تسليم الطفل بابو إلى رامبراساد الذي يتاجر بالأطفال، حيث يدعي أنه سينقل "بابو" إلى المدينة لتوظيفه، لكنه في الحقيقة سوف يرسله إلى مدينة ميرزابور التي يُتهم صنّاع السجاد فيها بعمالة الأطفال وباستغلالهم والمتاجرة بهم عبر شبكات فاسدة متجذرة.
"بابو" لم يكن الطفل الوحيد الذي تم استغلاله، وإنما سبقه إلى ذلك العديد من الأطفال، حيث لسوء احوالهم ومديونيتهم يبيع الآباء أطفالهم مقابل مبالغ زهيدة لـ "صائدي الأطفال" الذين يعاملونهم بقسوة ويجبرونهم على العمل بالسخرة في مصانع السجاد؛ خاصة تلك في منطفة ميرزابور. "جالكي" على صغر سنها، إلا أنها كانت مدركة لهذه الحقيقة، وللمخاطر والأذى الذي سيلحق بأخيها الصغير "بابو"، وعندما علمت بنية والدتها لبيع أخيها بابو، انطلقت في رحلة محفوفة بالمخاطر لاستعادة أخيها وتحريره. هذه الرحلة هي جوهر القصة ومحورها، لتتصادم "جالكي" بنقائها مع قوى أكبر منها لتجد؛ نظام معطوب، وشرطة لا تكترث، ومسؤولين فاسدين ومتواطئين، ومجتمع صامت أمام الانتهاكات والاستغلال بحق الاطفال، وسلاحها في كل هذا المحبة والإصرار متأثرة بالقصة الشعبية التي شاهدتها خلال الفانوس السحري، عن العصفور العنيد الذي لا يكل ولا يستسلم من أجل أن يحقق ما يريد فيستعيد حبة القمح، فهل تنجح "جالكي" في سعيها لاستعادة أخيها ورفضها للعجز وقبول بالفساد؟
في فيلم "جالكي" -والذي تُرجم عنوانه في بعض النسخ إلى "150 مليون عصفور سحري"- تستند الأحداث إلى قصص حقيقية، اطلع عليها المخرجان من خلال كايلاش ساتيارثي -الذي تظهر شخصيته في أحداث الفيلم- الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 2014، تقديراً لجهوده المبذولة في مكافحة الاتجار بالأطفال وعمالة الأطفال في الهند، حيث تمكن -عبر عقود من العمل- من تحرير الآف الأطفال من العبودية، لقد كرّس حياته تقريبا لهذا العمل، وأنشأ مؤسسته الخاصة لحمايتهم. والتي كانت بشكل أو آخر شريكة في انتاج الفيلم الذي حرص صناعه على عرضه في نوفمبر 2019، بالتزامن مع اليوم العالمي لحقوق الطفل، ليأتي كبيان سينمائي جريء وكصرخة في وجه الظلم في مواجهة واحدة من أكثر القضايا إيلاماً في المجتمع الهندي: الاتجار بالأطفال وعمالة الأطفال والتي غدت ظاهرة عامة يتسع نطاقها، وتعكس معها مشكلة بنيوية أعمق حيث؛ فشل المؤسسات الرسمية، واللامبالاة الجماعية التي يسميها المخرج سينغ في إحدى مقابلاته بـ "القساوة الجماعية".
فيلم "جالكي" ليس فيلماً ترفيهياً بالمعنى التقليدي كما هو سائد في الأفلام الهندية، بل هو تجربة فكرية وإنسانية عميقة. ويُظهر الفيلم كيف أن حبكة بسيطة، مدعومة بأداء متميز من طفلة موهوبة، قد تستمر في التأثير عليك لفترة طويلة.