اليوم: لجنة السينما /شومان تعرض فيلم "قرية قرب الجنة" للمخرج الصومالي موهاراوي.
2026 ,15 تموز
ناجح حسن:صوت العرب – الاردن.
ضمن ثاني عروض ليالي الفيلم العربي الذي تقيمه لجنة السينما/شومان يعرض اليوم فيلم "قرية قرب الجنة" للمخرج الصومالي موهاراوي،وذلك
في تمام الساعة السادسة والنصف مساء اليوم الاربعاء 15-7-2026،في قاعة السينما، ويتبعه مناقشة أحداث الفيلم والساعة الثامنة مساء في الهواء الطلق، وذلك في مقر المؤسسة بجبل عمان
 شكّل عرض الفيلم الروائي الطويل المعنون " قرية قرب الجنة" في مهرجان (كان) السينمائي العام 2024، مفاجأة سعيدة للنقاد وعشاق السينما في العالم، نظرا لكونه قادم من الصومال هذا البلد الفقير، الذي ما زال يعيش تحت وطأة العنف والحروب الاهلية المتتالية، فضلا عن كونه العمل الاول لمخرجه الشاب مو هاراوي، الذي انجزه على نحو درامي وجمالي بدقة وبراعة لافتين المستوى.
صوّر الفيلم عوالم قرية بسيطة في منطقة صحراوية حارة بالصومال، تقطن فيها اسرة مكونة من اب يعمل في عدة مهن بسيطة، من بينها القيام بدفن موتى ممن يتساقطون بفعل الحرب الدائرة، والاب يبذل قصارى جهده بغية تحقيق حياة افضل لابنه الشارد الذهن والذكي في آن، وهناك تنضم اليهما شقيقة الاب التي استقبلها حديثا بعد انفصالها عن زوجها، وفي الافق تلوح على القرية جملة من التحولات العصيبة، على خلفية ما يدور بالبلد من حروب أهلية مدمرة، فضلا عن قسوة الطبيعة والمناخ المليء بالغبار ورائحة نيران الحرب، وما يدور فيها من علاقات مليئة بالآمال والآلام، فالابن الصغير دوما يعيش في حالة حلم يتكرر بأنه على موعد في العيش بالجنة، التي يراها بانها اشبه ببقالة تمكنه من اختيار ما يريد من الحلويات والسكاكر، كما تبدو في الفيلم الذي صورت مناظره في افتتان بليغ، تلك العلاقة الشديدة العطف والحنان التي تجمع بين الأب وابنه الفتى، وشقيقة الاب التي باتت تقطن معهما في المنزل ولديها حلم وطموح بفتح محل لخياطة الملابس، وفي سبيل تحقيق هذا الحلم، تأخذ في بيع نبات القات للأهالي والعابرين، لكن الاب الحريص على تعليم ابنه، يواجه مشكلة اغلاق المدرسة الوحيدة في القرية بسبب عدم توفر الامكانات المادية.
روى الفيلم احداثه بإيقاع بطيء سلس يتماشى مع تفاصيل الحياة اليومية في هذه القرية النائية الواقعة على ساحل المحيط، وما تشهده من قسوة وعنف وخوف ورعب وكوابيس وغموض وحصار، اضافة الى ما استلب منها من امن وطمأنينة، وفيه يلجأ المخرج الى تقديم حوارات شخوصه المقتصدة، التي غلب عليها مواقف الصمت والتأمل، كل ذلك يجري على خلفية من اللوحات المشهدية الآسرة ذات التكوينات التشكيلية الخلابة، في اتكاء على عدسة كاميرا مدير التصوير المصري مصطفى الكاشف، سواء في تصوير المَشاهد الداخلية أو الخارجية عندما بدت فيها بوضوح، تجليات مخرجه في توظيفه اللافت لتدرجات النور والظلال، وانعكاساتها الشاعرية الفطنة على البيئة الانسانية، حيث بدت القرية في خصوصية جماليات مكوناتها الطبيعية بصفاء بصري فتان، مزنر بحركات وانفعالات شخوص الفيلم في الكثير من المواقف المجبولة بالجماليات السمعية البصرية، والمتخمة بالوان من ايقاعات الموسيقى الصومالية الدارجة في بطون موروثها التاريخي والمعاصر، وزاد من تأثير الفيلم البليغ، ذلك الأداء التمثيلي الجذاب والفريد والممتع بعفويته وتلقائيته، الذي يرتبط بحياة الناس العاديين المتعلقين بتاريخهم وهويتهم، في انحياز لصورة المرأة في الماضي والحاضر والمستقبل، على انها باب الخلاص في زمن المحن والنكبات، بعيدا عن الصورة المشوهة التي الصقت بها، علما ان اغلبية من ادارهم المخرج في مواقف صعبة ومؤثرة هم من بين الممثلين غير المحترفين.
ارتبط الفيلم الذي انجز بتعاون اوروبي مشترك، بثقافة مخرجه الأصلية، حين أصرّ على تصوير فيلمه في المواقع الطبيعية لأحداثه في بلده الصومال الواقع شرق القارة الافريقية، التي تعيش مخاض عسير من التحولات السياسية والاجتماعية والتاريخية والتنموية، وفي مشاهده الاولى جري تسليط الضوء على مقاطع من نشرة أخبار على شاشة تلفزيونية عن عملية تصفية لأحد المسلحين من الجو نفذتها مسيّرة أميركية، فالمشهد المكثف والسريع، يرسم عوالم الفيلم من البداية، وهو عالم يزخر بمشاهد العذاب اليومي سواء من الطبيعة القاسية، أو جراء ما يعانيه الناس البسطاء هناك من مشاهد القتل والتهريب والدمار والتيه والاحلام المجهضة .
اتسمت أحداث فيلم "قرية قرب الجنة" بالرصانة والرقة والعذوبة، وحضرت كأنها في حالة تأمل هشاشة الوجود الانساني في تلك البقعة، التي برع في تجسيدها على الشاشة بلوحات مشهدية ساحرة، تشع بالحياة على الرغم انها مسكونة بالصمت ورائحة الموت، فهي تختصر عالم صاخب بالأحداث والمواقف والمشاعر والاحاسيس، وكانت النتيجة ان شكّل العمل اضافة نوعية جديدة لموروث السينما الافريقية، التي سبق وان جسدتها اشتغالات ابداعية تفيض بالتجارب الابداعية، الآتية من قصص وحكايات مشبعة بذاكرة افراد وجماعات تقطن ارجاء القارة الافريقية، مثلما بانت فيها لمسات صانعيها الافذاذ في توظيف اساليب جمالية ورؤى درامية مفعمة بأطياف من المخيلة الرحبة والواقعية السحرية والانماط التجريبية، التي عبرت عنها انجازات مبدعيها الافذاذ أمثال: الموريتاني عبد الرحمن سيساكو، السنغالي عثمان سيمبان، الاثيوبي هايلي جيرما، الموريتاني مود هندو، المالي سليمان سيسي، والتشادي محمد صالح هارون، وسواهم كثير . 
 يشار الى أن المخرج هاراوي المولود في مقديشو، قبل هجرته إلى النمسا في سن الثامنة عشرة درس السينما في ألمانيا، وهناك استطاع انجاز مجموعة من الافلام القصيرة، من بينها فيلمان تدور أحداثهما في الصومال، الاول حمل عنوان "الحياة عند القرن"  العام 2020، الذي عُرض لأول مرة في مهرجان لوكارنو بسويسرا، والفيلم الثاني بعنوان "هل سيأتي والداي لرؤيتي" العام 2022، الذي عرض لأول مرة في مهرجان برلين السينمائي.
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون