2026 ,02 تشرين الأول

أمينة عباس :صوت العرب – دمشق.
صدر حديثاً عن دار توتول للنشر كتاب حمل عنوان "المسرح السوري.. دراسة نقدية في تحولات المشهد المسرحي" للناقد د.طارق العريفي الذي رصد فيه الحركة المسرحية السورية من 2006 إلى 2010 وقد تابع العريفي العروض المسرحية التي تناولها وهي الفترة التي شهدت أيضاً عدة دورات من مهرجان دمشق المسرحي قدمت عروضاً سورية وعربية، مع حضور واضح للمعهد العالي للفنون المسرحية والمسرح القومي وعروض متعددة أخرى>
إضافة إلى أنها كانت سنوات شهدت تحولات المسرح السوري، وعرفت تعداداً في أشكال الإنتاج والعرض، وتجاور فيها المسرح القومي مع التجارب الأكاديمية في المعهد العالي للفنون المسرحية، وظهور المسرح الراقص كجزء من المشهد، إلى جانب عروض الطفل والمونودراما والتجارب الأخرى، وهذا ما دعا الكاتب في الكتاب إلى التساؤل حول هذه الحركة المسرحية النشطة وتحولاتها، وهل كانت تحولات في ماهية العروض، وهل كان ذلك بعيداً عن الشارع السوري أو أنها كانت انعكاساً لتحولات أخرى في مسرح الحياة.
مجموعة متشابكة من التحديات
يبيّن الكاتب في كتابه أن رحلة المسرح السوري منذ نشأته لم تكن رحلة فنية مستقيمة أو هادئة، حيث وُلد المسرح السوري الحديث في بيئة ثقافية واجتماعية لم تكن قد هيّأت له بعدُ البنية المؤسسية والجمهور المتخصص والموارد التي يحتاجها كي يتحول إلى فن مستقر ومتجذر، وأنه منذ بداياته الأولى وجد نفسه في مواجهة مجموعة متشابكة من التحديات مثل ضعف الإمكانات ومحدودية فضاءات العرض وتذبذب الدعم وأزمة الجمهور ومشكلة النص المسرحي: "كان المسرحيون السوريون يحاولون الاقتراب من التجارب العربية والعالمية والاستفادة من التحولات التي شهدها المسرح في أوربا والعالم العربي، في الوقت الذي كانوا يبحثون فيه عن لغة مسرحية تعبّر عن البيئة والإنسان السوري وعن القضايا الاجتماعية والسياسية التي تشغله، وهكذا نشأت أزمة أخرى هي أزمة الهوية المسرحية، فهل يكون المسرح السوري امتداداً للمسرح العالمي أم للمسرح العربي؟ أم ينبغي أن يستمد لغته من التراث الشعبي السوري؟".
تاريخ مقاومة فنية
يشير الكاتب في كتابه إلى أن محاولة قراءة المسرح السوري بين عامي 2006 و2010 لم تكن مجرد رصد لعروض مسرحية متباينة أو إصدار أحكام نقدية على نصوص ومخرجين وممثلين وإنما كانت محاولة للاقتراب من مرحلة مفصلية في تاريخ المسرح السوري وحياة السوريين، تداخلت فيها الأسئلة الفنية مع الأسئلة المؤسسية والجماهيرية، مع تأكيده على أن هذه المرحلة كشفت عن مشهد مسرحي مزدحم بالتجارب والطاقات، وقد تنوعت فيه الأشكال بين المسرح القومي ومسرح المعهد العالي للفنون المسرحية ومسرح الطفل والمونودراما والمسرح الراقص: "غير أن هذا التنوع لم يكن دائما مصحوباً بالمستوى الفني نفسه، فظهرت تفاوتات واضحة في قوة النصوص وعمق الرؤية الإخراجية وتوظيف السينوغرافيا وطبيعة الأداء التمثيلي" ولم يخفِ العريفي في كتابه أن المسرح السوري وجد نفسه في هذه المرحلة أمام تحديات متزايدة مثل بيروقراطية المؤسسة الثقافية ومحدودية الإنتاج وصعوبة استيعاب الطاقات الأكاديمية الجديدة وتراجع الحضور الجماهيري، لكنه مع هذا لم يكن في هذه المرحلة عاجزاً عن التجدد، حيث ظل –برأي العريفي- قادراً على إنتاج تجارب لافتة، ونجح في تقديم عروض تمتلك مقوماتها الجمالية والفكرية، دون أن تكون بمنأى عن الحراك الاجتماعي السوري الذي كان يسير بخطى حثيثة نحو التغيير في ظل وجود المعهد العالي للفنون المسرحية رافداً أساسياً للمواهب والتجارب الجديدة الشابة، وقد ظلت المهرجانات جسراً للتفاعل مع المسرح العربي والعالمي.. من هنا وصف العريفي تاريخ المسرح السوري حتى عام 2010 على أنه تاريخ مقاومة فنية: "مقاومة نقص الإمكانات وصعوبة الاستمرار ومنافسة التلفزيون وأزمة النص ومشكلات المؤسسة وضعف النقد وأزمة الجمهور وكل ما كان يهدد بتحويل المسرح إلى نشاط هامشي".
ملامح مركزية
لم ينظر الكاتب في كتابه إلى عروض المسرح السوري بين عامي 2006 و2010 باعتبارها نتاجاً منفصلاً عن البنية المؤسسية التي احتضنتها أو قيدتها لأن العرض المسرحي لا يولد من النص والمخرج والممثل وحده وإنما يتشكل أيضاً داخل شبكة من المؤسسات التي تحدد إلى حد بعيد شروط إنتاجه وإمكان عرضه ونوعية جمهوره والموارد المتاحة له.. من هنا أشار الكتاب إلى ثلاثة ملامح مركزية أساسية لفهم المشهد المسرحي السوري في تلك المرحلة وهي: المسرح القومي على أنه أحد النتائج الإنتاجية الرسمية، والمعهد العالي للفنون المسرحية كونه المؤسسة الأكاديمية التي تصنع الأجيال الجديدة، ومديرية المسارح والموسيقا ووزارة الثقافة اللتان تشكلان الإطار الإداري والتمويلي المنظم للحياة المسرحية الرسمية.
معايير القراءة النقدية للمشهد المسرحي

وتحت عنوان "معايير القراءة النقدية للمشهد المسرحي السوري" يبيّن العريفي أن المسرح السوري بين 2006 و2010 لا يمكن اختزاله في القول إنه كان مزدهراً أو متراجعاً، فالصورة برأيه أكثر تعقيداً، حيث كان هناك نشاط مسرحي كثيف ومهرجانات وعروض جديدة وحضور للمعهد ومحاولات لاستعادة الجمهور واستقطاب نجوم الدراما التلفزيونية وتوسّع في فضاءات العرض وظهور فرق خاصة وتجارب جديدة.. وفي المقابل كانت هناك شكاوى من البيروقراطية والمحسوبية انعكست على ضعف الإنتاج المستمر والتفاوت في المستوى الفني للعروض: "ومن هنا يمكن القول إن المسرح السوري في هذه المرحلة كان يعيش مفارقة الوفرة والأزمة في آن واحد حيث الوفرة في المواهب والأزمة في فرص التشغيل في العروض وأزمة في المستوى.. وفرة في المؤسسات وأزمة في المرونة ووفرة في الخريجين وأزمة في استيعابهم ووفرة في الرغبة بالتجديد وأزمة في شروط الإنتاج، وهذه المفارقة هي التي تجعل الفترة 2006-2010 جديرة بالدراسة النقدية، ومن هنا انطلقت القراءة النقدية للعروض التي يتناولها الكتاب: "لن يُحاكم المخرج وحده على خيارات قد تكون المؤسسة شريكة في صناعتها، ولن يُدان النص وحده إذا كانت آليات الإنتاج قد حدّت من إمكانات تحويله إلى عرض متكامل، وبذلك لا يكون الهدف كتابة تاريخ سياسي أو إداري للمسرح وإنما تحديد الشروط التي أنتجت العروض من خلال عدة معايير توقف عندها الكتاب وهي: معيار قوة النص المسرحي ومعيار المخرج وصناعة العرض المسرحي ومعيار السينوغرافيا والضوء والصوت والموسيقى.
ويخلص الكاتب في نهاية الكتاب إلى أن أزمة المسرح السوري لم تكن أزمة غياب الموهبة بقدر ما كانت أزمة شروط إنتاج واستمرار وأزمة علاقة بين المؤسسة والفنان وبين العرض والجمهور وبين الجمهور والسلطة، ليبقى الرهان الحقيقي للمسرح السوري برأي الكاتب في قدرته على استعادة خصوصيته بأن يكون حياً ومتجدداً وقادراً على مساءلة واقعه ومخاطبة جمهوره.
يُذكر أن الكتاب ضم في فصله الثاني دراسات تطبيقية في مجموعة من عروض المسرح القومي والمعهد العالي للفنون المسرحية وقراءات في مسرح الطفل والمسرح الراقص والتجارب الجسدية وكذلك في الميلودراما والمونودراما.