يوسف الحمدان: أيقونة النقد المسرحي الخليجي ونصوص الجاثوم – دراسة نقدية وأدبية.
2025 ,21 أيلول
نسرين نور :صوت العرب.
المقدمة
يعتبر الناقد والكاتب والمخرج المسرحي البحريني يوسف الحمدان واحدًا من أبرز الأصوات التي أسهمت في تشكيل الوعي المسرحي في منطقة الخليج العربي على مدى العقود الأربعة الماضية. فهو لم يقتصر على ممارسة الكتابة الإبداعية في النصوص المسرحية، بل امتد أثره إلى النقد والتنظير والتأليف الأكاديمي، ليصبح مرجعًا أساسيًا لكل من يتأمل تطوّر المسرح البحريني والخليجي على حد سواء. حصل الحمدان على تكريمات عديدة، لعل أبرزها منحه لقب "أيقونة النقد المسرحي الخليجي" في مهرجان الكويت الدولي للمونودراما عام 2019، وهو تكريم يستند إلى تراكم تجربة إبداعية ونقدية ثرية تعكس انحيازه للمسرح بوصفه فنًا وفكرًا في آن واحد.
المسرح البحريني – الذي انطلق مع رواد مثل خليفة العريفي، وعبد الله السعداوي، وعبد الله يوسف – وجد في الحمدان ناقدًا بصيرًا ومجددًا، يمزج بين الرؤية الجمالية والتحليل الفلسفي. ولعل صدور كتابه الجاثوم (دار ميتا بوك) مثّل محطة فارقة في مسيرته، فهو لا يقدّم مجرد نصوص مونودرامية للعرض المسرحي، بل يُقترح كدفتر فني/فكري يختزن رؤية الكاتب تجاه العالم من حوله.
تضم المجموعة نصوصًا عدة: الجاثوم، الحظيرة، رأس، لوثة، الرهينة (المدعو صدفة)، السيد خشبة، نزيف (بانتومايم). بعض هذه النصوص جُرّب على الخشبة بالفعل مثل الجاثوم (1990) ببطولة الفنان الراحل عبد الله السعداوي، فيما بقيت أخرى تنتظر قراءتها على مستوى التأمل أو التجريب المسرحي.
تنبع أهمية هذه النصوص من كونها تؤسس لوعي جديد بالمونودراما في السياق الخليجي والعربي، إذ لا تقف عند حدود الصوت الواحد أو البطل الوحيد، بل تتجاوز ذلك لتضع القارئ والمتلقي أمام أسئلة فلسفية وجودية كبرى، ممزوجة بموروث شعبي وأساطير محلية، داخل مناخ كابوسي ضاغط.
ومن هنا، تأتي هذه الدراسة لتسلّط الضوء على تجربة الحمدان الأخيرة من خلال أربعة محاور أساسية:
1. السمات العامة التي تميّز مجموعة الجاثوم.
2. تحليل نصوص المجموعة نصًا نصًا.
3. الإطار النظري للمونودراما وموقع نصوص الحمدان ضمنه.
4. دلالات التجربة على مستوى المسرح البحريني والخليجي.
الفصل الأول: السمات العامة لمجموعة الجاثوم 
قبل التوقف عند كل نص من نصوص المجموعة، تفرض بعض السمات العامة نفسها كعلامات فارقة تشكّل هوية هذا الكتاب، وتمنحه خصوصيته داخل المشهد المسرحي العربي.
1. الطرافة في الموضوعات والشخصيات
من أول ما يلفت النظر في هذه النصوص هو نزوعها الدائم إلى الطرافة في اختيار الموضوع أو بناء الشخصية. فـ"البطل" قد يكون الجاثوم، أي الكابوس الذي يجثم على صدر النائم حتى يكاد يختنق؛ أو يكون الحمار العجوز الذي يعاني من الذباب ويلهو بالثرثرة مع الجمهور؛ أو اللسان الذي يتحدث من داخل جمجمة مهجورة؛ أو حتى خلية نحل تسكن حمّام بيت وتحوّل حياة صاحبه إلى جحيم. هذه الموضوعات، في ظاهرها غرائبية أو عبثية، لكنها تحمل بعدًا رمزيًا عميقًا يجعلها صالحة للقراءة النقدية والفلسفية.
الطرافة هنا ليست مجرد "نكتة مسرحية"، بل هي مدخل إلى كشف المأساة الكامنة. فالحمار في الحظيرة ليس مجرد حيوان يتكلم، بل رمز للإنسان المهمّش الذي يظل موضع استغلال وإهمال، في حين أن اللسان في رأس يختزل مأزق الفكر العربي العاجز عن الفعل، القادر فقط على اللغو والثرثرة. بهذا المعنى، الطرافة وسيلة للتعرية وليست غاية للضحك.
2. حضور الواقع الكابوسي
معظم نصوص المجموعة تتسم بجو كابوسي خانق، حتى لو انطلقت من مواقف تبدو يومية أو مألوفة. "الجاثوم" مثلًا يعيد القارئ إلى ذكريات الطفولة العربية حيث التنشئة على الخوف عبر قصص "أمنا الغولة" و"أبو رجل مسلوخة" وغيرها من الحكايات المرعبة. هذه الحكايات الشعبية، وإن اختلفت أسماؤها من بلد لآخر (أم الخضر والليف ...)، تؤدي الوظيفة نفسها: ترسيخ الخوف كأداة للتربية. الحمدان يحوّل هذا الإرث الشعبي إلى مادة درامية، لينتج بطلاً مشوهًا يعاني من تبول ليلي في الطفولة، ثم من هذيان واضطرابات في الكِبر.
الواقع الكابوسي يتكرر في لوثة حيث يحاصر النحل البطل ويهاجمه، فلا يجد الخلاص إلا في تدخل رجال المطافئ الذين يحرقون بيته، فيفقد وسيلة اتصاله بالعالم (الهاتف). هذه المفارقة المرعبة تكشف عن عبثية الحياة الحديثة حيث يصبح الهاتف – أداة الاتصال – أهم من البيت نفسه.
3. النص الموازي ودوره في التلقي
من السمات اللافتة في مجموعة الجاثوم ما نسميه بـ"النص الموازي"، أي الإرشادات المسرحية الدقيقة التي ترافق النصوص. هذه الإرشادات لا تقتصر على توجيه المخرج والممثل، بل تُقدَّم للقارئ العادي كوسيلة لفهم الحالة الشعورية للبطل واستيعاب المرجعيات الشعبية أو الأسطورية المستعان بها. هنا يتجاوز النص الدرامي حدود الحوار إلى نص موازٍ يمنح القارئ أدوات إضافية للقراءة والتأويل.
هذه الخاصية تكشف عن وعي الحمدان المزدوج بوصفه كاتبًا وناقدًا؛ فهو يدرك أن نص المونودراما لا يُكتب ليُقرأ فقط، بل ليُعرض ويُنفذ، ومن ثمّ يحرص على أن يزوّد المخرج بخيوط دقيقة ترشده إلى الفضاء الدرامي المقترح.
4. الإشكالية النوعية للمونودراما
تثير بعض نصوص الجاثوم سؤالًا نقديًا مهمًا: هل تبقى هذه النصوص داخل جنس المونودراما الصارم (صوت واحد/شخصية واحدة)؟ ففي لوثة مثلًا، يظهر رجال المطافئ، وفي الرهينة ثمة صوت خارجي يحدّث البطل من خارج المشهد. بعض النقاد قد يعتبر هذا خروجًا عن المونودراما، فيما يرى آخرون أن طالما لم تتجسد هذه الأصوات في شخصيات حاضرة على الخشبة، فهي لا تنفي عن النص صفة المونودراما.
هذه الإشكالية في تصنيف الجنس الأدبي ليست ثانوية، بل تعكس موقف الحمدان التجريبي: فهو يختبر حدود المونودراما ويعيد تعريفها، واضعًا المبدع والمتلقي أمام سؤال جوهري: هل المهم هو الشكل (صوت واحد) أم الجوهر (كشف مأزق الإنسان الفرد في مواجهة ذاته والعالم)؟
5. المزج بين الشعبي والفلسفي
ثمة خيط ناظم آخر لهذه النصوص يتمثل في المزج بين التراث الشعبي والأساطير المحلية من جهة، والتأملات الفلسفية الوجودية من جهة أخرى. في الجاثوم والحظيرة يحضر الموروث الشعبي بقوة، بينما في رأس ولوثة تتقدّم النزعة العدمية والعبثية. هذا المزج يمنح النصوص بعدًا مزدوجًا: فهي قريبة من وجدان المتلقي العربي الذي يعرف تلك الحكايات والأساطير، وفي الوقت ذاته تحاكي أسئلة الفكر المعاصر حول العدم والمعنى والهوية
الفصل الأول: قراءة تحليلية في النصوص:
1. الجاثوم
أ. مدخل إلى النص
يُفتتح كتاب الجاثوم بالنص الذي يحمل اسمه، وهو ليس مجرد استهلال للمجموعة، بل يعدّ بمثابة بيان جمالي وفكري يرسم ملامح التجربة كلها. اختيار "الجاثوم" عنوانًا لمجموعة نصوص مسرحية يضع القارئ منذ اللحظة الأولى في مواجهة مع كابوس جمعيّ يخص الذاكرة الشعبية العربية. فالجاثوم – الكائن أو الحالة – حاضر في وجدان الأطفال والكهول على حد سواء، إذ يتذكره الجميع باعتباره ذلك الكابوس الذي يهاجم النائم في الليل، فيكتم أنفاسه ويشلّ حركته. لكن الحمدان يحوّل هذا الموروث الشعبي من مجرد "خرافة مخيفة" إلى رمز درامي شديد الكثافة، يعكس علاقة الإنسان العربي بالخوف كآلية تنشئة وتطويع.
ب. معنى الجاثوم: محليًا وعالميًا
محليًا، ارتبط الجاثوم بالخرافات التي تداولتها الأمهات والجدات لتربية الأطفال عبر التخويف: "نام وإلا تأتيك أم الخضر والليف"، كما قيل في البحرين والخليج. هذا الخوف التربوي أسس لوعي طفولي مأزوم، يرى في النوم – وهو المفترض أن يكون راحة – مصدر تهديد.
أما عالميًا، فقد عُرف الجاثوم في التراث الغربي أيضًا (Incubus/ Nightmare)، حيث اعتُبر شيطانًا يجثم على صدر النائم. هذا التوازي الثقافي يمنح النص بعدًا كونيًا، إذ لا يقتصر على تجربة محلية، بل يعكس خوفًا إنسانيًا قديمًا من المجهول الليلي ومن هشاشة الجسد في حالته الأضعف: النوم.
ج. شخصية البطل: الطفولة المشوّهة
الحمدان يقدّم بطل النص بلا اسم، مكتفيًا برسم ملامح طفولته التي بدأت بالتبول الليلي كأثر للخوف الشعبي المزروع فيه. هذه الطفولة المشوّهة هي البذرة التي تفسّر ما آل إليه في الكبر من هذيان واضطراب. البطل إذن ليس فردًا عاديًا، بل هو نتاج منظومة تنشئة كاملة تعتمد على الرعب، وتؤدي إلى إنسان مأزوم، عاجز عن التوازن النفسي.
هذه الصورة تعكس نزعة نقدية واضحة لدى الحمدان تجاه الأسلوب التربوي العربي التقليدي الذي يزرع الرعب في الأطفال بدلًا من إشاعة الطمأنينة. فالبطل ليس "مريضًا فرديًا" بقدر ما هو مرآة لجيل كامل تَشكّل وعيه في مناخ الخوف.
د. البعد النفسي–الاجتماعي
النص يحفر بعمق في العلاقة بين الفرد والمجتمع عبر آلية "الخوف". البطل المأزوم، الذي يعيش مع كوابيس الجاثوم، ليس سوى صورة للفرد العربي المحاصر بأنظمة القمع، سواء كانت أسرية أو اجتماعية أو سياسية. هنا تتحول الخرافة الشعبية إلى استعارة اجتماعية: الجاثوم هو السلطة التي تجثم على صدر المواطن وتمنعه من التنفس أو الحركة.
البعد النفسي يتجلى في أعراض البطل: التبول الليلي، الارتعاش، الهذيان… وهي كلها علامات على اضطراب ما بعد الصدمة. أما البعد الاجتماعي فيتمثل في أن هذه الأعراض ليست نابعة من مرض عضوي، بل من تربية قائمة على التخويف والتهديد.
هـ. الجو الكابوسي والبعد الجمالي
يكتب الحمدان نص الجاثوم بلغة مسكونة بالهواجس، حيث يختلط السرد بالحوار الداخلي. البطل لا يواجه شخصًا آخر على الخشبة، بل يواجه ظله، وذاكرته، وأصواته الداخلية. الجو العام خانق، أشبه بفضاء حلم سيئ ممتد. هذه الكابوسية ليست مجرد خلفية، بل هي البنية الجمالية للنص. فالمسرح هنا يتحول إلى استحضار كابوس طويل، يجعل المتلقي شريكًا في التجربة النفسية.
من الناحية الإخراجية، النص يفتح الباب لتجريب بصري وصوتي: إضاءة متقطعة، أصوات هامسة، صمت ثقيل. وقد استثمر الفنان عبد الله السعداوي هذه الأبعاد في عرض 1990، حيث جسّد البطل في صورة رجل مأزوم يختنق مرارًا تحت وطأة كائن غير مرئي، بينما الجمهور يشاركه الإحساس بالعجز.
النص الموازي ودور الإرشادات المسرحية
من أبرز ما يميز نص الجاثوم حضور "النص الموازي"، أي الإرشادات التي يضعها الحمدان لتهيئة الجو النفسي للعرض. فهو لا يكتفي بكتابة الحوار، بل يصف بالتفصيل ملامح الإضاءة، حركات الجسد، التغيرات الصوتية. هذه الإرشادات تكشف وعي الكاتب بدور المخرج والمتلقي، حيث يمنحهما "مفاتيح" لقراءة التجربة.
النص الموازي هنا يضاعف من حضور الكابوس: حين يصف الكاتب "ثقلًا داهمًا يهبط على صدر البطل"، فإن المخرج يجد نفسه مدفوعًا لتجسيد هذا الثقل عبر وسائط بصرية/سمعية. وهكذا يصبح النص نصّين في آن: نص الحكاية ونص الإرشاد.
ز. الإشكالية النوعية 
هل يبقى نص الجاثوم داخل حدود المونودراما الصارمة؟ نعم، من حيث كونه يقتصر على صوت واحد، لكن هذا الصوت متشظٍ إلى أصوات داخلية متعددة (طفل/ بالغ/ كابوس/ ذاكرة). وهنا يكمن التجريب: المونودراما عند الحمدان ليست مجرد بطل يروي قصة، بل بطل يتفكك أمامنا إلى ذوات متناحرة. هذه التقنية تضع المتلقي في حيرة: هل يشاهد شخصية واحدة أم عدة شخصيات تتصارع داخل الجسد نفسه؟
بهذا المعنى، يوسع الحمدان أفق المونودراما، ليجعلها مسرحًا للانقسام الداخلي، لا مجرد حكاية أحادية الصوت.
ح. دلالات النص
1. التربية عبر الخوف: النص يفضح أثر الأساليب التربوية القائمة على التهديد، ويبيّن كيف تترك ندوبًا نفسية طويلة الأمد.
2. السلطة الكابوسية: الجاثوم رمز للسلطة التي تكتم أنفاس الفرد، سواء كانت سلطة الأسرة، المجتمع، أو السياسة.
3. المسرح كعلاج: عبر مواجهة الجاثوم على الخشبة، يمنح النص فرصة جماعية للتطهير (Catharsis)، حيث يشارك الجمهور البطل في كابوسه، ويخرج منه بإحساس بالتحرر.أو باستياء بالغ من الجميع 
4. البعد الكوني: الظاهرة ليست عربية فقط، بل إنسانية، ما يجعل النص قابلًا للعرض عالميًا دون أن يفقد دلالته.
ط. العرض المسرحي (1990) مع عبد الله السعداوي
خلاصة
يمثل نص الجاثوم حجر الأساس في مجموعة يوسف الحمدان، فهو يجمع بين الموروث الشعبي والفلسفة الوجودية، بين الخوف النفسي والنقد الاجتماعي، بين البنية الأحادية (المونودراما) والتشظي الداخلي للشخصية. إنه نص يعيد تعريف وظيفة المسرح الخليجي: ليس مجرد تسلية أو تثقيف، بل مختبر لمواجهة أعمق مخاوفنا الجمعية والفردية.
الفصل الثاني: استعراض وتحليل مضمون نصوص المجموعة: 
بعد الوقوف عند نص الجاثوم بوصفه النص التأسيسي والأكثر تمثيلاً للرؤية الكابوسية عند يوسف الحمدان، تتضح لنا أهمية النظر في بقية النصوص التي ضمّتها المجموعة: الحظيرة، رأس، لوثة، الرهينة (المدعو صدفة)، السيد خشبة، ونزيف. هذه النصوص، على الرغم من تباين موضوعاتها وأشكالها، تشترك جميعها في خيط واحد: الكشف عن المأزق الوجودي للإنسان العربي من خلال قناع رمزي أو استعارة مسرحية مكثفة.
1. الحظيرة: الحيوان الناطق والسلطة الرمزية
في هذا النص يضع الحمدان بطله في هيئة حمار عجوز، يواجه الذباب في الحظيرة، ويتحدث بلسان ساخر. هنا يُستعار الحيوان ليكون مرآة للإنسان. الحمار، كرمز شعبي تقليدي للغباء والكدح، ينقلب عند الحمدان إلى شخصية ساخرة وناقدة، تتأمل وضعها في الحظيرة، وتواجه الذباب بوصفه استعارة عن القوى الطفيلية التي تمتص طاقة الفرد والمجتمع.
من الناحية الرمزية، تفتح الحظيرة الباب لقراءة سياسية واضحة: الحمار العجوز لا يتحدث فقط عن ذاته، بل عن مجتمع يعيش في فضاء ضيق، يتعايش مع القهر اليومي، ويفقد القدرة على الحلم بالخلاص. الطرافة هنا تأتي من المفارقة: الحيوان المكروه في الثقافة الشعبية يتحول إلى فيلسوف ساخر يملك قدرة على النقد أضعاف ما يملكه البشر.
2. رأس: الفلسفة العدميّة للسان
في نص رأس، يضع الحمدان بطله داخل الجمجمة، ويجعل اللسان هو المتحدث الوحيد. اللسان هنا ليس مجرد أداة للنطق، بل هو كيان فلسفي ساخر، يطرح رؤى عدمية عن الحاضر والمستقبل.
الفضاء المكاني (داخل الرأس) يرمز إلى العزلة القصوى، بينما اللسان، أداة التواصل، يصبح صوتاً منفصلاً عن الجسد. المفارقة أن اللسان، رغم أنه عضو حيوي، يتكلم هنا بوعي ساخر وعدمي، كاشفاً عن عبثية الوجود وفقدان الجدوى.
النص إذن يواصل الخط الكابوسي، لكن هذه المرة من داخل الذات، حيث تتحول اللغة نفسها إلى قفص، ويتحوّل الكلام إلى مرثية للعقل والواقع.
3. لوثة: العبث الكابوسي وتداعي اللاوعي
يقترب نص لوثة من تقنيات تيار اللاوعي والتداعي الحر. يبدأ المشهد من صورة غريبة: خلية نحل في الحمام، فيتأسس منذ البداية مناخ عبثي/كابوسي. بطل النص بلا اسم واضح، يعيش حالة ارتباك هوية، وكأن وجوده نفسه مرهون بما تفرضه عليه الصور المفارقة.
هنا يدمج الحمدان بين الهذيان الذاتي والرموز الشعبية، ليخلق فضاء كابوسياً مشبعاً بالهواجس. تدخل رجال المطافئ في النص أثار جدلاً نقدياً: هل ما زلنا أمام مونودراما حين يتدخل أكثر من صوت؟ لكن المخرج يمكن أن يتعامل مع هذه التدخلات كأصوات خارجية مسموعة من ذهن البطل، فيظل النص وفياً لروح المونودراما.
4. الرهينة (المدعو صدفة): بين الرحم الرمزي والمعركة المهجورة
في هذا النص، يضع الحمدان بطله في فضاء شديد الرمزية: بالونة تشبه المشيمة، أو رحم رمزي في ساحة معركة مهجورة. البطل هنا رهينة بالمعنى الحرفي والرمزي: محتجز داخل مكان هش، يهدده الانفجار في أي لحظة.
النقاد توقفوا عند مسألة الأصوات الخارجية: هل تكسر المونودراما حين يظهر صوت آخر؟ الحمدان يتعامل مع هذه الأصوات كأصداء أو امتدادات لوعي البطل. النص إذن يظل وفياً لطبيعة المونودراما، وإن كان يفتح الباب لتجريب صوتي يثري العرض المسرحي. وإن كان محفوفا بالمخاطر لخروجه عن جنسه الأدبي.
5. السيد خشبة: سجال النص والممثل
نص السيد خشبة يقدَّم كإهداء إلى الفنان زيناتي قدسية، ويُبرز شخصية محددة الملامح: مرزوق. في هذا النص، يظهر الصراع جلياً بين الممثل وبقية عناصر العرض. فالمسرح نفسه يصبح طرفاً في النقاش: هل النص هو السيد؟ أم أن الممثل هو الذي يمنح النص حياة؟
هنا تتجسد أزمة المسرح العربي في صورة درامية: التوتر الدائم بين "قداسة النص" و"قداسة الممثل". السيد خشبة نص أقرب إلى الميتا-مسرح، حيث يناقش المسرح ذاته من داخل النص المسرحي.
6. نزيف (بانتومايم): الصمت الكثيف واللغة الجسدية
أما نص نزيف فينتمي إلى فن البانتومايم (التمثيل الصامت). يروي قصة مكتملة البنية (بداية – وسط – نهاية) دون أي حوار منطوق. هنا يتجلى "النص الموازي" بكل قوة: فالإرشادات المسرحية تصبح النص الحقيقي، وتُغني عن اللغة الكلامية.
باستدعاء الأساطير الشعبية البحرينية، يخلق الحمدان فضاءً صامتاً لكنه محمّل بالرموز. الصمت هنا لا يعني الغياب، بل العكس: هو تكثيف للمعنى، ومضاعفة لحضور الجسد على حساب الكلمة.
خلاصة
من خلال هذه النصوص المتنوعة، نرى أن يوسف الحمدان لم يكتفِ بتأسيس تجربة مسرحية كابوسية في نص الجاثوم وحده، بل فتح مسارات متعددة للتجريب:
استعارة الحيوان الناطق (الحظيرة).
استبطان الذات وعدميتها (رأس).
العبث الكابوسي وتداعي اللاوعي (لوثة).
الفضاء الرمزي بين الرحم والمعركة (الرهينة).
الميتا-مسرح وصراع النص والممثل (السيد خشبة).
الصمت الكثيف والبانتومايم (نزيف).
وكلها تؤكد أن الحمدان لم يتعامل مع المونودراما كقالب جامد، بل كساحة مفتوحة للانتهاك والتجريب والجدل.
الفصل الثالث: الإطار النظري – المونودراما كجنس مسرحي
حين نتوقف أمام نصوص يوسف الحمدان في مجموعته الجاثوم، لا يمكن أن نغفل عن البنية الجنسية التي اختارها الكاتب لتكون الحاضن الدرامي لأفكاره، وهي المونودراما. هذا الشكل المسرحي المونولوجي ظل طوال القرن العشرين وإلى اليوم موضوعًا لجدل واسع في النقد الأدبي والمسرحي، سواء من حيث تعريفه وحدوده أو من حيث إمكاناته في الكشف عن عوالم الفرد النفسية والاجتماعية.
1. تعريف المونودراما وأصولها
المونودراما – من مقطعين "مونو" أي صغير، و"دراما" أي الفعل – تشير إلى مسرحية يؤديها ممثل واحد أمام الجمهور. لكن اختزالها في مجرد "مسرح الممثل الواحد" تبسيط يظلم هذا الشكل، إذ أن جوهر المونودراما يكمن في وحدة الصوت (Voice Unity) وليس فقط وحدة الجسد على الخشبة. أي أن المتلقي يتلقى الحدث الدرامي من خلال منظور شخصية واحدة فقط، مهما تعددت الأصوات التي يمكن أن تحاكيها أو تقلدها.
الجذور الأولى للمونودراما تعود إلى المسرح الإغريقي، حين كان ممثل يؤدي أحيانًا مشاهد كاملة بمفرده بمصاحبة الكورس. ثم في القرن التاسع عشر تطور الشكل ليأخذ بعدًا نفسياً عميقًا، خصوصًا مع ازدهار المسرح الرومانسي والرمزي. أما في المسرح العربي فقد ظهر الاهتمام بالمونودراما منذ منتصف القرن العشرين، لكن تبلوره الحقيقي جاء مع الحركات التجريبية التي بحثت عن اقتصاد الوسائل، وعمق التجربة الداخلية للشخصية.
2. السمات الجمالية للمونودراما
عادة ما ترتبط المونودراما بـ:
وحدة الحدث: لحظة واحدة مكثفة في حياة البطل.
وحدة الزمان والمكان: غالبًا ما يُحاصر البطل في فضاء ضيق أو مغلق.
التركيز على الداخل: كشف البنية النفسية، الهواجس، القلق، الخوف.
الاقتصاد في السرد: الحدث يُبنى عبر تدفق الانفعالات وردود الأفعال لا عبر سلسلة معقدة من الحبكات.
الوظيفة التحويلية: تنتهي المونودراما عادة بلحظة إدراك أو انكسار تغيّر البطل أو على الأقل تغيّر وعينا به.
3. يوسف الحمدان وتجديد المونودراما
هنا تكمن فرادة الحمدان. فهو لم يتعامل مع المونودراما كقالب جامد، بل كساحة اختبار. ففي الجاثوم نرى انحرافًا عن القوالب الصارمة:
في نصوص مثل الجاثوم ورأس يحافظ على وحدة الصوت عبر شخصية مركزية تواجه مخاوفها الداخلية.
في الرهينة أو لوثة ينفتح النص على أصوات خارجية (رجال المطافئ، الصوت الغامض)، مما يثير إشكالية: هل تظل هذه النصوص مونودراما؟
الحمدان هنا يوسع الحدود بدل أن يتقيد بها، ويطرح سؤالًا نقديًا: هل المونودراما تقاس بعدد الممثلين أم بوحدة المنظور؟ فإذا كان البطل وحده حامل الوعي، فإن الأصوات الأخرى مجرد امتدادات أو إسقاطات لوعيه، وليست شخصيات مستقلة.
4. مقارنة مع التجربة العربية
في كثير من نصوص المونودراما العربية، كما أشار النقاد، يُغفل البعد الدرامي لصالح البعد الخطابي أو الشعري. فنرى ممثلًا يعتلي الخشبة ليلقي مونولوجات طويلة دون حدث مفصلي يحرك النص. بينما أرسطو في فن الشعر أصرّ على أن كل دراما تقوم على فعل له بداية ووسط ونهاية، يقود إلى تغيير.
الحمدان، رغم تجريبيته، لا يتخلى عن "الحدث". حتى حين يكون الحدث غريبًا أو كابوسيًا (مثل دخول النحل إلى الحمام في لوثة)، فإنه يظل محركًا لتطور الشخصية. بذلك يدمج الحمدان بين اقتصاد الشكل وثراء المضمون، مضيفًا بعدًا كابوسيًا وفلسفيًا قلّما وجدناه في مونودرامات عربية أخرى.
 
5. المونودراما كاختبار للهوية الفردية
إلى جانب البعد الفني، تحمل المونودراما لدى الحمدان وظيفة وجودية: إنها شكل مثالي للتعبير عن الوحدة والاغتراب. ففي مجتمعات الخليج، حيث الجماعة والأسرة والإطار الاجتماعي يهيمن على الفرد، تأتي المونودراما لتكشف هشاشة الكائن الفردي حين يُترك وحيدًا أمام نفسه. من هنا يمكن أن نفهم لماذا يلجأ الحمدان إلى هذا الجنس بالذات ليجسد "الواقع الكابوسي"، فهو المسرح الذي يجعل الفرد في مواجهة مطلقة مع ذاته ومع أشباحه الداخلية.
6. إشكالية التصنيف 
 
السؤال الذي يظل مفتوحًا: متى تفقد المونودراما هويتها؟ إذا شارك صوت آخر، هل نصبح أمام "ديودراما"؟ بعض النقاد يميلون إلى الحسم الشكلي (ممثل واحد فقط)، لكن تجربة الحمدان تؤكد أن الجوهر هو وحدة المنظور. الأصوات الثانوية ليست كيانات مستقلة بل مرايا نفسية. لذلك يمكن القول إن الحمدان نقل النقاش من "الشكل" إلى "الرؤية"، وهذا إنجاز جمالي وفكري في آن.
  خلاصة: بهذا الفصل نكون قد وضعنا نصوص الجاثوم في إطارها النظري، وربطناها بتقليد المونودراما عالميًا وعربيًا، ثم أوضحنا كيف دفعها يوسف الحمدان إلى حدودها القصوى
.الفصل الرابع: دلالات التجربة
إذا كانت نصوص الجاثوم قد بُنيت على أرضية المونودراما، فإن قيمتها لا تتوقف عند البعد الشكلي أو التجريبي، بل تمتد إلى دلالات أعمق تتصل بالثقافة والمجتمع والذاكرة الجمعية في البحرين والخليج، وبالتقاطعات الفلسفية والوجودية التي وسمت المسرح الحديث عالميًا. في هذا الفصل نتوقف عند بعض تلك الدلالات لفهم مغزى هذه التجربة، وكيف أسهمت في صياغة هوية مسرحية خاصة بيوسف الحمدان.
1. الواقع الكابوسي: الفرد في مواجهة أشباحه
أبرز سمة تطبع نصوص الجاثوم هي ذلك الإصرار على استحضار أجواء كابوسية، حيث يُحاصر البطل داخل فضاء مغلق، يطارده الخوف أو العدم أو السخرية السوداء. الكابوس هنا ليس مجرد صورة فنية، بل هو مرآة لواقع مضمر. فبينما تعيش البحرين وبقية دول الخليج حالة من الاستقرار النسبي مقارنة بالمناطق المجاورة، يخرج الكاتب من هذه الأرضية المستقرة ليصنع عوالم مشحونة بالتهديد والرعب. هذه المفارقة تعني أن الخوف ليس بالضرورة انعكاسًا للظروف السياسية أو الاجتماعية المباشرة، بل هو جزء من الوعي الجمعي العربي، حيث تتراكم المخاوف منذ الطفولة عبر الحكايات الشعبية (أمنا الغولة، أبو رجل مسلوخة) وتتحول لاحقًا إلى قلق وجودي عام.
2. التوظيف الشعبي والأسطوري: الذاكرة الجمعية كخزان مسرحي
لا يكتب الحمدان نصوصًا معزولة عن بيئتها. بل يستدعي الحكاية الشعبية والأسطورة المحلية بوصفها ذاكرة جمعية مشتركة. حضور شخصيات مثل "أم الغولة" أو "أم الخضر والليف" ليس مجرد تزيين فولكلوري، بل أداة للكشف عن آليات التربية القائمة على الترهيب. الطفولة التي تشكلت بالخوف من هذه الكائنات، تظل تطارد الفرد في نضجه، لتنتج بطلاً مسرحياً مشوهاً، خائفاً، عاجزاً عن التكيف.
بهذا المعنى، تصبح نصوص الجاثوم محاكمة رمزية للثقافة الشعبية حين تتحول من وسيلة للتربية إلى مصدر دائم للذعر، وتصبح الخرافة أداة لكشف مأزق الإنسان العربي الذي يترعرع على الخوف من المجهول.
3. البعد الفلسفي: العبث والعدمية والوجودية
إلى جانب الشعبي، هناك خط فلسفي واضح. نصوص مثل رأس ولوثة تذهب بعيدًا في التعبير عن العدمية: لسان يتحدث من داخل الجمجمة ليعلن أن الفكر والحاضر والمستقبل جميعها إلى الجحيم، أو إنسان يجد خلية نحل في حمام بيته ويعيش سلسلة أحداث عبثية تنتهي بحرق المكان. هذه الطروحات تستلهم روح العبث الأوروبي (بيكيت، يونسكو)، لكنها تنغرس في بيئة خليجية محلية، لتؤكد أن القلق الوجودي ليس حكرًا على الغرب، بل هو إنساني عام.
إن توظيف الحمدان لهذه النزعات الفكرية يكشف عن وعيه بأن المسرح لا يمكن أن يكتفي بتسجيل الواقع، بل يجب أن يذهب إلى جذور الأسئلة: معنى الحياة، جدوى الفكر، عبثية السلطة، هشاشة الإنسان.
4. النقد الاجتماعي والسياسي: الرموز الحيوانية والفضاءات الخرِبة
من بين أبرز تقنيات الحمدان في تمرير نقده الاجتماعي استخدام الرمز الحيواني والمكان الموحش. في الحظيرة نجد حمارًا عجوزًا يحارب الذباب، وفي هذا تصوير لواقع إنساني ينهكه صراع يومي تافه ظاهريًا لكنه يختزل معنى العجز أمام ضغوط المجتمع. في الرهينة يعيش البطل في فقاعة مشيمية داخل ساحة خراب، وكأن المجتمع كله قد تحوّل إلى رحم ميت لا يلد إلا الدمار.
بهذه الرمزية الكثيفة يضع الحمدان القارئ والمشاهد أمام مرآة الواقع العربي: السلطة مقابل الفرد، الخراب مقابل الأمل، الحيوان الناطق مقابل الإنسان المقموع. المسرح هنا يتجاوز التسلية إلى أن يصبح منبرًا للتساؤل النقدي.
5. المسرح البحريني وتجربة الحمدان
تأتي نصوص الجاثوم في سياق خصوصية المسرح البحريني، الذي رغم محدودية الإمكانات المادية، استطاع أن يشق لنفسه مسارًا مميزًا في الخليج. يوسف الحمدان، بصفته ناقدًا ومؤلفًا، يُعد من أبرز الأصوات التي أسهمت في هذا المسار. إهداؤه نص السيد خشبة لزيناتي قدسية يفتح نافذة على البعد التواصلي بين المسرح البحريني والمسرح العربي الأوسع. كما أن تعاوناته مع الفنان الراحل عبدالله السعداوي تكشف عن حيوية المشهد البحريني في البحث عن تجريب متواصل.
الحمدان لا يُقرأ فقط بوصفه كاتب نصوص، بل بوصفه أيقونة نقدية، إذ أن كتاباته النظرية ومشاركاته في المهرجانات (مثل تكريمه في مهرجان الكويت الدولي للمونودراما 2019) جعلته مرجعًا لفهم هذا الفن في سياق خليجي.
6. التجربة كإعادة تعريف للمونودراما
في التحليل الأخير، يمكن القول إن تجربة الحمدان في الجاثوم تمثل إعادة تعريف للمونودراما:
فهي ليست فقط مسرحية الممثل الواحد، بل مسرحية الصوت الواحد الممتد عبر مرايا متعددة.
وهي ليست مجرد بوح ذاتي، بل نقد اجتماعي وفلسفي وسياسي.
وهي ليست حبيسة قوالب الشكل، بل منفتحة على المزج بين الشعبي والكابوسي، بين الأسطورة والواقع، بين العبث والرمزية.
بهذا المعنى، يضع الحمدان بصمته الخاصة على جنس المونودراما في المسرح العربي، ويثبت أن الخليج قادر على إنتاج نصوص تتجاوز المحلي لتلامس أسئلة الإنسان في كل مكان.
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون