2025 ,04 أيلول

صوت العرب:الاردن.
صدر مؤخرا للكاتبة الدكتورة أماني سليمان داود قصّتان جديدتان للأطفال تحمل الأولى عنوان: (عالمي بلا حدود)، والثانية: (أحلمُ دوماً بالطّيران) عن الدار الأهلية في عمّان، وهما قصّتان موجّهتان للفئة العمرية من (6-9) سنوات، برسومات للرسّامة أماني يوسف.
وتنحو القصّتان باتّجاه الإضاءة على شخصيات تنتمي إلى فئة خاصة هي فئة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، بطرحٍ مبدع وممتع لا يقدم الشخصيات بسذاجة بل ينتصر لإنسانيتها وحاجاتها واستحقاقاتها للحلم والحياة والإبداع، فتبدو شخصيات ظريفة مَرِحة ومنخرطة في مجتمعاتها طامحة تمتلك التصميم والإرادة. كما تقدم القصتان مجتمعا قادرا على احتضان المختلفين عن المجموع ومساندتهم، يتجلّى فيهما بعدٌ اجتماعي تربوي إنساني مهمّ، بأسلوب يبتعد عن الوعظ والتلقين والمباشرة نفتقد وجوده في الكتابة الإبداعية الموجهة للأطفال، مما يجعل هاتين القصّتين إضافة مهمة للمكتبة العربية.
تضيء قصة (عالمي بلا حدود) على خيالات طفلة تعيد تشكيل العالم حولها وفق ما يسمح به خيالها الممتد، الذاهب بعيدا عما يتخيّله أقرانها، ترسم الغيوم كيفما يصوّره لها قلبُها المبصر، فمرة تغدو الغيوم جَمَلا تسافر عليه بعيدا، ومرة تغدو الغيوم لها بطّات تمشي بتؤدة نحو الماء، ومرة تغدو الغيوم آلة بيانو تملأ الكون إيقاعا فيرقص الأطفال ويضحكون، هكذا تعيد تشكيل الحياة في كل مكان تذهب إليه، وترسمه على دفترها الذي يتنقّل معها دوما، يحدوها الأمل بأن لا تبقى أسيرةً لنقص في جسدها، يحول دون ممارستها الحياة كما يمكن أن يتخيّلُ الناسُ حولها، بل على العكس تملك روحا مرحة مقبلة على الحياة وعلى تحقيق الأحلام، وإن كانت - كما ستكشف القصة في نهايتها - طفلةً كفيفةً لا ترى، فهي تملك عينَ قلبٍ مُبصرة، وتملك بصيرةً تكفيها مؤونة الحزن في دواخلها. إنها قصة ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يقاومون النقص باجتراح الأمل بالكمال.
تحافظ قصة (عالمي بلا حدود) على جو من البهجة والفرح، وتمتلئ بإشارات تتصل بالصوت والحركة واللمس والشم وهي وسائل تعويضية، وحواس يتجلّى دورها وتستبدل بحاسة البصر المفقودة، إنها الحياة التي لا تتوقف والعالم الجميل الذي يستحق الكفيفُ أن يلمسه ويحسّه ويسمعه ويتفاعل معه.. (عالمي بلا حدود) هي المفارقة الرمزية، فحيث يضيق الكونُ بغياب البصر تتسع الرؤية كما تتسع الرؤيا لتختفي الحدود نهائيا.
أما قصة (أحلم دوما بالطيران) فهي تحكي بدورها عن طفل صغير مغرم بالطيران، يحلم أن يصبح طيارا في المستقبل، فتخيل نفسه عصفورا يحلق في السماء حينا، ثم تخيل أنه تعلَّق ببالون كبير أهداه له والده في عيد ميلاده، وعندما شارك أمه في قَصْصَقةِ الورق تخيَّل أنه ركب طائرةً ورقيةً صنعها بمعونة أمه، وفي كل مرة كان يسقط ولا ينجح في الطيران، لكنه مع ذلك لم يكفّ عن التخيل، وأخيرا يحاور جده عن إمكانية أن يغدو طيارا في المستقبل، لنكتشف في نهاية القصة بأن بطل القصة الصغير من ذوي الاحتياجات الخاصة، ذلك أنه طفل مُقْعَد يتنقل على كرسي متحرك، لا يمكنه التنقل مشيا ومع ذلك يتسع حلمه إلى مدى واسع فهو فتى لا ييأس أبدا، سيمارس التخيل حتى يغدو الخيال واقعاً.
تمتلئ قصة (أحلمُ دوما بالطيران) بالبهجة وبالمواقف الطريفة والمضحكة فيختفي الأسى ويتوارى الحزن، لأن تحقيق الأحلام يحتاج الإرادة والقوة والصبر، تُظهر القصة المجتمع المحيط بالطفل - من معلمة وأصحاب وأب وأم وجدّ - كداعم له، ما يجعل تحقيق الحلم مرهونا بالإرادة الفردية القوية أولا وبدعم المحيط المساند ثانيا، كما تومئ القصة بأن ذوي الاحتياجات الخاصة من حقهم أن يحلموا وأن يتخيلوا وأن يتطلعوا إلى أن يصبحوا مميزين ومبدعين في مجتمعاتهم.
ومما يجدر ذكره أن مؤلفة القصتين أماني سليمان داود كاتبة وأكاديمية أردنية معروفة، نشرت خمس مجموعات قصصية للكبار، إلى جانب كتاباتها القصصية الموجهة إلى الأطفال كقصة (الكتاب المسحور)، و(أحبّ عائلتي)، ومن أعمالها الأخيرة قصة بعنوان: (أبطال في طابور الماء) التي تُجسِّد جانبا من آثار العدوان الصهيوني على أطفال غزة، وقد تبنّى نشرَها وترجمتَها المجلسُ القومي للترجمة ومركز الأزهر للترجمة في القاهرة، وصدرت مؤخرا بالعربية وبعدد واسع من اللغات العالمية.