"شذرات من ذاكرة سينمائية": قراءة في كتاب الوجود والموجود ل"سعد الشرايبي".
2025 ,13 تموز
عبدالاله الجوهري:صوت العرب-المغرب.
أعتقد أن كتاب "شذرات من ذاكرة سينمائية" سيكون خلال هذا اللقاء مجرد ذريعة للنقاش، مع مخرج مغربي بصم مسارات  سينمانا الوطنية بمجموعة من الأفلام التي أرخت لواقع مغربي يعيش تناقضاته الاجتماعية، ويتطلع لبناء مستقبله، انطلاقا من ماضيه المليء حد التخمة بالمتناقضات، وأيضا بحضور ثقافي وازن، ومواقف إنسانية تشهد له بالأصالة والإختلاف.
صاحب الكتاب، أو العريس المحتفى به، سعد الشرايبي، أعرفه منذ أكثر من ثلاثين عاما، وعاشرته عن قرب لما يتجاوز العشرون سنة، وحضرت إلى جانبه في محطات سينمائية متعددة ومختلفة، بالنسبة لي ليس مخرجا وكفى، بل أخا وصديقا، وقبل ذلك مدرسة فنية وثقافية، تحمل هم نشر النور ونثر الورود وتجذير فعل الحب بين الناس، والتخفيف عنهم وطأة ضنك الحياة بمساعداته الكريمة ماديا ومعنويا.
نعم، أسميناه منذ مدة طويلة في حركة الأندية السينمائية المغربية، بالحكيم، حكيم اللحظات التي تتطلب منا التعبيرعن مواقف شجاعة ومسؤولة لا تتناقض مع تاريخ هذه الحركة، كمنظمة ثقافية تقدمية فاعلة في المشهد السينمائي المغربي. كما أطلق عليه النقاد  صفات جليلة من بينها صفة "المنقذ من الضلال"، في كثير من اللحظات العصيبة، بالنظر لدوره في دعم ومساندة الأنشطة المختلفة للجمعية المؤطرة لأنشطتهم. كما اعتبره، ويعتبره، جل صناع الأفلام من منتجين ومخرجين وتقنيين، الأخ الأكبر الذي يسند منجزاتهم ويدعم حضورهم دون قيد أو شرط.
سعد الشرايبي، هو هذا، وأكثر من هذا، إذا ما حاولنا أن نعطيه حقه، ونلقي شهادة تلخص مساراته وعمق انسانيته. لكننا اليوم، وفي إطار أنشطة شبكة المقاهي الثقافية بالمغرب، لم نأتي لنحتفي به وحده، بل لنحتفي أساسا بمؤلفه "شذرات من ذاكرة سينمائية"، على اعتبار أنه مؤلف يلخص بكثير من الإختزال شذرات من حياة إنسان، حياة تنطلق من لحظة الولادة، وحتى لحظة كتابة هذا الكتاب، شذرات يتقاطع فيها الذاتي بالموضوعي، والعائلي بالأسري، والثقافي، بمعناه العام، بالسينمائي، كفن متفرد مختلف بلغته وشيفراته. ووسط كل هذا، الحديث ببعض التفصيل، واللمز والهمز، عن السينما المغربية، وخلفياتها التاريخية والمعرفية.
الدكتور محمد الطوزي في تقديمه للكتاب، لخص مضمونه العام في السطور الأولى للمقدمة قائلا:
Il est très rare d’avoir le privilège de préfacer un ouvrage qui retrace cinquante ans du parcours familial et professionnel d’un ami. Il se trouve aussi qu’il s’agit d’un cinéaste, témoin engagé dans l’histoire du Maroc depuis les années soixante-dix jusqu’à nos jours qui a marqué toute une génération. Un ouvrage que j’hésite à  caractériser : une autobiographie, des mémoires, un essai, une fiction voire un docu-fiction à la démarche visuelle, tout en images sans être pour autant le nième film de saâd.(Page 5).
"من النادر أن يكون لك حظ تقديم مؤلف يلخص خمسون سنة من المسار العائلي والمهني لصديق. صديق سينمائي، شاهد مناضل ملتزم بتاريخ السينما المغربية، منذ سنوات الستينات وحتى حدود اليوم، سينما كان لها تأثير على جيل. مؤلف، أتردد في وصفه أو تصنيفه: سيرة ذاتية، مذكرات، مقال، رواية، أو فيلم وثائقي بصري، كله صور، كأنه فيلم، دون أن يكون الفيلم التاسع لسعد" (ص 5).  
الذاكرة تلعب دورا محوريا في سرد وقائع حياة غير عادية لسارد يختفي خلف ضمير الغائب، سارد عارف عالم مكتوي بشواظ نار المعرفة، معرفة الحياة، حياة بلحظاتها الحلوة والمرة، بالإخفاقات المفاجأة، والنجاحات المتتالية، بالحب الغامر بالعطاءات، واللا حب الذي كاد أن يغرق تجربة خصبة في شرايين الدم وشهد الدموع.
 Le texte que nous propose Saâd peut-être approché –par- delà  le parcours individuel d-un homme somme tout public- comme un écrit à vocation historique. L a dimension mémorielle y est très présente mais le souci d’objectivité, d’exhaustivité et de respect des faits qui accompagne ce récit en fait un document plus proche de la discipliner historique que d’un simple exercice mnémotechnique... Son récit autobiographique se mue en document précieux sur l’histoire du cinéma marocain.. (Page 7).
"إن النص الذي يقدمه لنا سعد يمكن التعامل معه – أكثر من رحلة فردية لشخص، هو في نهاية المطاف العام باعتباره (النص) كتابة ذات دعوة تاريخية. البعد التذكري حاضر بقوة، لكن الانتصار للموضوعية، والإلمام بمجمل الأحداث، مع احترام الحقيقة، والحقائق التي تحضر، يجعل منه وثيقة "تاريخية" أكثر من أنها مجرد تمرين للذاكرة والتذكر... قصة ذاتية، في نفس الآن، وثيقة ثمينة تلخص تاريخ السينما المغربية.." (ص 7).
فعلا، يروي المخرج سعد الشرايبي بداياته السينمائية، مُتناسياً سحر الصورة السينمائية، جاعلاً من فعل الكتابة قلقاً جسديا، لكنه قلق وجودي أطر رؤيته لكثير من الأحداث التي عاشها وعايشها، أحداث يريد أن تنتقل للأجيال القادمة، أجيال من الواجب أن تعرف كل شيء عن ما حدث مجتمعيا وفنيا، وفي فعل السرد/البوح يحرر ذاته.
يعطي السارد معنى لحياته، من خلال التساؤل عن سر نسخ فصول حياة، وطرح الأسئلة عن الفائدة المرجوة من كل ذلك؟. وعن الرهان الذي راهن عليه. هل الحكي هنا من أجل الحكي فقط، أم حكي لتجذير الذاكرة ومنحها قيمة تاريخية، ومن خلال ذلك جعل الأجيال القادمة تعرف ما حدث، وكيف حدث، ولماذا حدث. أم لإعطاء معنى لحياته هو، بشكل "أناني" من خلال تفكيكها وإعادة تركيبها دون البحث عن قيمة مضافة تضاف لما كتب أو سيكتب.
Pourquoi décide –t-il de la transcrire aujourd’hui ? Pour qui ? Dans quel but? Tout en cogitant ainsi, son esprit se met à voguer librement, et a convoquer les souvenirs enchevêtrés de son existence labyrinthique. Il va falloir les démêler un par un, pour reconstruire le sens de sa vie. (Page 10)
"لماذا قرر حكيها اليوم؟ لمن؟ ولأي غرض؟ بينما كان يفكر في الأمر، بدأ عقله يشرد بحرية، مستدعياً الذكريات المتشابكة لوجوده الذي يشبه متاهة. سيتعين عليه أن يفك تشابكها واحدة تلو الأخرى، ليعيد بناء معنى حياته" (ص 10).    
حياته كما حكاها بصيغة الغائب، لم تكن طريقا مفروشة بالورود، حكايات عديدة عن الأسرة والعائلة، عن الميلاد، عن الطفولة، عن الانقطاع عن الدراسة، ومساعدة الأب في تجارته، عن صدمات الواقع وخيباته، عن الأصدقاء، عن الأبناء والأحفاد، عن واقع مليء بالعذابات، وأيضا مساحات شاسعة من الإنجازات، والأفراح، والمسرات. هي حياة فرد (ربما حياته)، اختار أن يكون فاعلا موجودا في مجموع اللحظات التي عاشها أو عايشها.
في أفلامه، وكما استعرضها في متن الكتاب، كانت هواجس الخلق حاضرة، أفلام واكبت تحولات الواقع وحاولت أن تصنع عالما يحمل بعضا من بذور الأمل، أمل التغيير، بالدفاع عن القيم، وتكريس فعل ثقافي مغربي حقيقي يمتد على جغرافيا المكان المغربي والعالمي، ويواكب دقات ساعات الزمن، محاولا بذلك تجاوز قبح الوقت. مقدما لنا من خلال فصول المؤلف الخلفيات التي ساهمت في صنع ما صنع، لأن لكل فيلم حكاية، ولكل فيلم رهان خاص به.
وسط كل ما عاشه السارد، كان لا ينسى أن يسجل بعضا من أخطاء الواقع، أن يؤكد على ضرورة تجاوز ما حصل بعزيمة خلاقة. ولعل إيمانه بضرورة تسليم المشعل للأجيال الصاعدة، تفاديا لتكرار الأخطاء التي ارتكبت من قبل، محرك أساس، لما كتب ويكتب ويصنع اليوم، لهذا تجده حاضرا ومحاضرا في كل مكان، مساهما في نصرة الفعل الثقافي الجاد دون وجل أو وهن.
في حوار مع جريدة العرب اللندنية، قال سعد الشرايبي: "حماية الذاكرة عنصر ضروري، بل حيوي للأجيال الحالية والمستقبلية، لكننا للأسف، نلاحظ أن هذه الذاكرة في المغرب، وفي بلداننا العربية عموما، لا يتم الحفاظ عليها إلا قليلا، خاصة في القطاعين الثقافي والسينمائي" (الجمعة 2023/11/24 14، السنة 46، العدد 12963).
تصريح/ بوح يعكس هاجسا لا نجده في أغلب الأحيان عند الكثير من السينمائيين، مما يجعلنا نطرح أسئلة مفتاحية في نقاش اليوم مع سعد الشرايبي، أسئلة من قبيل: السينما والثقافة، والسينما والذاكرة، وهل فعلا، السينمائيون المغاربة لا يقرأون، وإن قرأوا فغالبا بلغة وثقافة الآخر، لهذا تأتي أفلامهم شائهة بعيدة عن روح المجتمع الذي من المفروض أنهم ينتمون له ويعالجون قضاياه..
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون