دين العقل وفقه الواقع :كتاب يضع الظلام تحت الشمس.
زيد الحلي:صوت العرب.                      
 ربما يثير العنوان بعض الغرابة ، لكني وضعته متعمدًا ، فكتاب د. عبد الحسين شعبان الذي نحن بصدده ، والصادر مؤخرًا ، بعنوان "دين العقل ، وفقه الواقع" أثار كثير من التساؤلات ، وردود الافعال ، ومازالت تلك التساؤلات والردود تملأ الصحف والمواقع الأدبية ومراكز الابحاث .. إنه بحق كتاب خطير في التناول ، وقيم جدا وقد يكون الأول من نوعه ، يتحدث بجرأة عن العلاقة بين الإسلام بشموليته والمفاهيم العالمية السائدة بشان المواطنة وحقوق الانسان ، ولاسيّما موقف الإسلام الشيعي من تلك المفاهيم ، وشخصيًا أجد أن هنا الكتاب تناول بمنهجية وحيادية الأطر الإشكالية المتمثلة بالعلاقة الجدلية ما بين الدين والتدين، والإنسان والدين والعلمانية والدين والفتاوى والدين والقانون وغيرها من المواضيع المهمة التي تثير فضول القارئ وتدعوه إلى قراءة هذا الكتاب المتميز.
عنوان الكتاب مهم ، ويحمل الكثير من المعاني ، وبالعنوان فضول شاسع المدى لمعرفة ما يريد المفكر د. عبد الحسين شعبان من إيصال رؤى يجد أن في معظمها حلولًا لما يعانيه المجتمع الإسلامي في ظل تداعيات ، بعضها موضوعي والكثير منها ذاتي ، ومعروف لنا كقراء وصحفيين دقة اختيارات د. شعبان لعناوين كتبه وأبحاثه ذات الأبعاد الفكرية والفلسفية والاجتماعية .. وفي رأيي ان العنوان الجاذب ، ينمي الرغبة لدى القراء في المتابعة والإستزادة والمشاركة النفسية مع النص .
إن القراءة هي الحياة ، ومستشفى العقول ، بل هي حيوات أخرى يُضيفها القارئ إلى حياته من خلال الاطلاع على عصارة الخبرات والأفكار التي يضعها الكُّتاب في كتبهم ، فيكتسب مزيدا من الأفكار الفكرية والقدرات الإدراكية في النقد والتحليل ..
ومن هنا ، قدم لنا د. شعبان في كتابه أبرز مزايا وفوائد الاستلهام في جدلية القراءة الواعية ، في موضوع شائك ، ابتعد عنه الكتاب خوفًا مرة ، ومهابةً مرة أخرى ، فأخذ القارئ إلى عالم يحيا به ويعيش كل تفاصيله في محاولة لأن يجعله قادرًا على التفكير المنطقي والسليم في كل مواقف يتعرض إليها والتعامل معها بموضوعة الدين والفقه بعقل وحكمة بالغة بعيدًا عن الطروحات التي تدق الأبواب من خلال أجهزة الإعلام والتواصل الاجتماعي والفضائيات ، والساعية عن خبث أو عن جهالة مسببة ناقوس خطر مجتمعي وتدمير الآخرين .
إن أهمية هذا الكتاب تكمن في كونه طرح جملة من القضايا والإشكالات المثيرة للجدل في حوار عميق مع السيد أحمد الحسني البغدادي وهو فقيه مجتهد ، وخلص إلى استنتاج مهم بعد ثمانية عشر مناظرة تدل عناوينها على شمولية تكاد تكون تامة في أن المشكلة لا تكمن في الدين وإنما في اشكال التدين ، وقد توقفت مليًا عند قول د. شعبان إنه لا يوجد دين سيئ وآخر جيد، وأن المشكلة ليست في الدين، بل في توظيفه الإغراضي، وبعض أشكال التديّن التي تتعارض وقيم التقدم. كما أن الإيمان دون عقل يقود إلى يقينية صمّاء، قد تصل في بعض الأحيان إلى الإرهاب ، ويرى شعبان في هذه النقطة أن الفقيه البغدادي يتوافق معه في الكثير منها، خاصة الذين يدّعون الإيمان ويزعمون التقوى والورع الديني وهم بعيدون عنه ..
ويرى د. شعبان في كتابه الخطير ، والمهم ، أن هناك ترابطًا بين التاريخ والاجتهاد، فالوعي بالتاريخ لا يعني استعادته، بل استحضار تجاربه بما يفيد الحاضر والمستقبل. وهذا جزء من مهمة الاجتهاد، وهو ما يؤدي إلى تجديد الخطاب الديني، فلا تجديد دون اجتهاد، أي استنباط الأحكام وفق المتغيرات والمستجدات والتطورات التي تحدث في المجتمع، حيث (تتغير الأحكام بتغير الأزمان) حسب القاعدة الفقهية المعروفة. ويتساءل في مقدمة كتابه ، عن موقف الإسلام من الحداثة، وكأنه السؤال الإشكالي القائم : هل أن العلاقة اليوم بين وعينا الفكري وتطبيق حَرفية النص، تؤدي إلى النتيجة المطلوبة ذاتها، في زمن الوحي الأول والمتلقي الأول؟
ان الكتاب لمن يقرأه ، يجده في التصنيف العلمي مندرجاً ضمن نطاق علم الاجتماع السياسي في بُعده الديني ، فثمة فقه وفقهاء وثمة نظرات في أثر الفقه والفقهاء على المقومات الأساسية للمجتمع .
ومع ثقتي ، بأن نهج الدين الإيماني مختلف عن نهج الفلسفة العقلاني، ففي الدين تقديم للإيمان على التعقل بينما في الفلسفة تقديم للتعقل على الإيمان، وقد يكون لكليهما أسانيد، ولكن أسانيد الدين ثابتة لا تشكيك فيها، بينما مقولات الفلسفة متغيرة وقابلة للنقد والتشكيك..
ولستُ مغاليا ، بقولي أن المفكر د. شعبان كان سعيدًا بما أنجز ، في كتاب فريد في بابه ، فرسالته واضحة ، وهي الدعوة إلى مزيد من دين العقل ، فالعقل أساس الدين ولا دين حين يتعارض مع العقل. وأن الاجتهاد أساس العقل ، والأديان تعلّم الحب والقيم الإنسانية العادلة ولا دين حين يكون عنيفًا وقاسيًا وظالمًا وغير إنساني .
 
 
2022 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون